بعد ما حطت الحرب العالمية الثانية أوزارها، فكر قادة العالم الجدد المنتصرون في الحرب، لاستمرا سيطرتهم على العالم في إرساء قواعد أسس نظام عالمي جديد تكون لهم فيه الكلمة الفصل. فتم إنشاء صندوق لإعادة إعمار أوربا التي دمرتها الحرب (مشروع مارشال)، و على المستوى السياسي تم استبدال عصبة الأمم(1919) بمنظمة الأمم المتحدة سنة 1945 لتحقيق السلم والأمن الدوليين بواسطة أهم أجهزتها مجلس الأمن(مقره الدائم بنيويورك) التي تعتبر قراراته ملزمة للدول الأعضاء، وتستأثر فيه خمس دول قوية بحق النقض”الفيتو”و هي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي والصين وفرنسا وبريطانيا. و على المستوى العسكري تم تأسيس،سنة 1949، منظمة حلف شمال الأطلسي”الناتو”(مقره الدائم ببروكسيل)، لكن القيادة الحقيقية لهذه المنظمة تعود للولايات المتحدة الأمريكية. أما على المستوى الاقتصادي، ولبس بغرض وضع نظام اقتصادي عادل، بل بهدف إحكام السيطرة على شعوب العالم المستضعفة، فتم عقد مؤتمر “برايتون” لوضع نظام مالي استراتيجي يرتكز على عملة الدولار الأمريكي، أفرز تأسيس كل من البنك وصندوق النقد الدوليين سنة 1944 في بريتون وودز. و يعتبر عمل كل من المؤسستين مكملا لبعضهما البعض،إلا أن دور كل مؤسسة على حدا مختلف، فالبنك الدولي مؤسسة إقراض غايتها مساعدة البلدان في دمج اقتصادياتها في الاقتصاد العالمي الأوسع نطاقا وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى البعيد الذي يساعد في تخفيف حدة الفقر في البلدان النامية. بينما يعمل صندوق النقد الدولي كمراقب للعملات العالمية من خلال المساعدة في الحفاظ على نظام متسق من المدفوعات بين جميع البلدان ودعم مساهمتهم في نظام نقدي عالمي مرن. كما أنه يقرض المال للبلدان الأعضاء الذين يواجهون عجزاً خطيراً في ميزان المدفوعات. فالبنك الدولي، نظريا، ھﻮ ﻣﻠﻚ لأعضائه( 184)وﻣﻦ اﻟﻤﻔﺘﺮض أن ﻳﻜﻮن اﻟﺘﺼﻮﻳﺖ متكافئ و اﻹدارة ﻣﺸﺘﺮﻛﺔ ﺑﯿﻦ ھﺆﻻء اﻷﻋﻀﺎء ﺣﺘﻰ ﺗﻜﻮن له ﻣﺼﺪاﻗﯿﺔ وﺗﺄﺛﯿﺮ؛ إﻻ أن اﻟﻮاﻗﻊ ﻳﺸﯿﺮ إﻟﻰ أن اﻟﺒﻨﻚ اﻟﺪوﻟﻲ ﺗهﯿﻤﻦ ﻋﻠﻰ ﻗﺮاراﺗﻪ اﻟﺪول اﻟﺼﻨﺎﻋﯿﺔ اﻟﻐﻨﯿﺔ ﺧﺎﺻﺔ اﻟﻮﻻﻳﺎت اﻟﻤﺘﺤﺪة اﻷﻣﺮﻳﻜﯿﺔ، التي تمارس، عبر التاريخ، سياسة انتقائية و تجبر البنك على عدم تقديم القروض لدول لا تتفق مع سياستها. و هكذا تم سحب عرض تمويل مشوع السد العالي المصري سنة 1956، لأن جمال عبد الناصر القومي لم يكن يسير في خط واشنطن وقام بتأميم قناة السويس وتعرضت بلاده للعدوان الثلاثي، (فرنسا وبريطانيا و إسرائيل)، لكن بعد أن صارت مصر (خاصة على عهد محمد حسني مبارك) منخرطة و منقادة لمشروع السلام الأمريكي المزعوم!حصلت على مساعدات سخية من البنك، وقبلها على عهد محمد أنور السادات و خاصة بعد توقيع اتفاقية”كامب ديفد”مع إسرائيل (1977/1978)، حيث بلغ حجم أول قرض لمصر 185.7 مليون دولار، الشيء الذي تسبب في احتقان وغليان الشارع المصري الذي شهد مظاهرات عنيفة قبل أن تتراجع الدولة عن القرارات الاقتصادية التي اتخذتها. ونفس الشيء بعدما انتخب محمد مرسي رئيسا تلقى التهنئة من مديرة صندوق النقد الدولي آنئذ “كريستين لاغارد” و هذه التهنئة تعني أن البلد مرشح ثانية للسقوط في بئر الديون. لكن وبالمقابل عندما انتخبت حماس ديمقراطيا من قبل الشعب الفلسطيني حرم هذا الشعب من أي نوع من المساعدات الدولية لأن برنامج حماس السياسي لا ينسجم مع خطة أوسلو الذي ترعاها أمريكا!؟ والتي كالعادة لم يكتب لها النجاح، مما يفقد مبادرات هذه الدول مصداقيتها البعيدة عن قواعد الديمقراطية و الشفافية والعدالة، بل باعتماد معايير سياسية بحثة، حيث كانت الدول الغنية والرأسمالية بزعامة واشنطن، في ما مضي، تقرض الدول الفقيرة، خوفا من وقوعها في مصيدة المد الشيوعي قبل انهياره.
و للتأكيد على أن هذه المؤسسات المانحة تريد السيطرة على ثروات العالم والتحكم في رقاب الشعوب المستضعفة، نورد تعليق أحد الخبراء الاقتصاديين”جيفري ساش”أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد الأمريكية لأكثر من ثلاثين سنة ومستشار لعدد كبير من الدول النامية من إفريقيا و آسيا و أمريكا اللاتينية، حيث يشير إلى أن السياسات المالية التي فرضها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، هي سياسات ليس لها أساس علمي، ويؤكد أن إفريقيا هي أكثر فقرا في بداية القرن الحادي والعشرين مما كانت عليه خلال الستينات من القرن الماضي عندما بدأت تتبنى سياسة هذه المؤسسات، حيث أن هذه القارة تعج بالأمراض و تآكل البيئة و معدلات النمو السكاني. و هنا يتساءل المرء: هل هذه المؤسسات عونا للضعفاء أم أداة للأقوياء؟ يقول مستشار سابق في شركة تشارس لمين”جون بير كينز”أن الطريقة الأكثر شيوعا من الحيل القذرة التي تلجأ إليها هذه المؤسسات، وهي تحديد بلدا يتوفر على موارد وثروات كثيرة ، كالنفط أو مناجم الذهب…، ثم يرتب له قرضا من البنك الدولي أو منظمات حليفة، لكن هذا المال لا يذهب إلى ذلك البلد بل للشركاء آخرين لبناء مشاريع البنية التحتية بالبلد المدين ( محطات توليد الطاقة موانئ…)، أو بيعه أسلحة وتمويل مشاريع غير منتجة حيث يغرق البلد في الديون الضخمة يستحيل سدادها، و بعد ذلك يطلبون منه منح امتيازات للدائنين كشراء النفط بسعر رخيص أو استغلال منجم أو بناء قاعدة عسكرية…؟ هذا ما حصل مع إيران سنة 1953 حينما انتخب محمد مصدق ديمقراطيا كرئيس الوزراء وقام بتأميم شركة النفط وفي عملية مشتركة بين أمريكا وبريطانيا تمت الإطاحة به بعدما ألبت عليه الشارع الإيراني بواسطة استعمال المال، و مكنت لعودة الشاه إلى الحكم(دركي أمريكا في الشرق الأوسط) و جنت الدولتين 40%من عائدات النفط. لكن في أزمة النفط سنة 1973 التي استغلها هذا الأخير ببيع النفط في السوق السوداء وبعملة غير الدولار،فتخلت عنه أمريكا. والشيء نفسه حصل مع الراحل “شافيز” رئيس فنزويلا سنة 2002،والمشاغب في رأي واشنطن،. وكذلك اعتقلت مادو رو ( في انتهاك صارخ للقانون الدولي أي دون تفويض من مجلس الأمن)، وبعد أن حاصرته لسنوات، لأنه كان حليف عدوها اللدود الصين. وبموجب نظام “سويفت” يتم السيطرة على نظام التحويلات المصرفية، والعقوبات الاقتصادية هي سلاح استراتيجي يعادل الحصار العسكري(حالة إيران).وتم رفع الرسوم الجمركية على الصين، وحتى على الحلفاء الأوروبيين. هذا هو قانون القوة الذي تمارسه القوى الاقتصادية المهيمنة على الدول المستضعفة.
أمام عسر هذه الدول عن الوفاء بالتزاماتها المالية ومطالبتها بإلغاء بعضها، تلجأ المؤسسات المانحة إلى إعادة جدولة الديون، أي منح آجال إضافية للمدين، ورغم أن هذه العملية تقدم مكاسب لطرفين المعادلة بضمان حصول الدائنين على أموالهم لاحقا بدل التوقف النهائي عن السداد، في حين تمكن الدولة المدينة من استغلال فترة التأجيل لترتيب أوضاعها المالية والتجارية. لكن هذا الإجراء يخضع لشروط قاسية تؤثر بشدة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، كما أنها لا تتصدى للمديونية بل تؤجلها إلى وقت لاحق. و لا يمكن لنادي باريس، الجهة التي يعهد إليها باستقبال طلبات إعادة الجدولة، البث فيها إلا بموافقة صندوق النقد الدولي؛ ( لم تفلح كل من السودان سنة 1984 والصومال سنة 1987 في إعادة جدولة ديونهما رغم تفاقم أزماتها المالية وذلك لأسباب سياسية؟) ، ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل لابد من الاستمرار في تطبيق برامج الإصلاح قبل وطيلة فترة الاتفاق على إعادة الجدولة التي تتصف بخطورة بالغة على التدبير المالي للدول المدينة، ذلك أنها –أي الجدولة- ترتكز على تقليص النفقات وزيادة الإيرادات دون إعطاء أهمية مماثلة لتحسين الصادرات وهي الطريقة الطبيعية لخدمة الدين الخارجي، و تجعل المستثمرين يترددون كثيرا و يرفضون الإقراض. هذه العملية التي تسعى نظريا إلى تخفيف المديونية، تؤدي إلى العكس تماما، فقد تصبح الدولة مجبرة على دفع ضعف المبلغ الذي اقترضته، ففي 36 دولة نامية انتقل ثقل مديونيتها الخارجية قياسا بالناتج المحلي من 82%في منتصف الثمانينات إلى 154%في منتصف التسعينات، ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما تنضاف إليه أسباب داخلية كالاستبداد والفساد وضعف حكامة المؤسسات وغياب العنصر البشري المؤهل.. !بينما في الدول المدينة التي لم تطبق هذا البرنامج انتقل في نفس الفترة من %56 إلى 76%فقط. والجذ ير بالذكر أن برنامج إعادة الجدولة يعالج كل حالة على حدة، والاتفاق مع دولة ما لا يسري على أخرى رغم تشابه أحوالهما المالية والتجارية. ومنذ التسعينات أصبح ربط المنح المالية بالديمقراطية وحقوق الإنسان كورقة ضغط و وسيلة تأديب لمن يخرج عن طوع الكبار ؟! و بالنسبة للمغرب فقد أبرم، في هذا الإطار، أربعة اتفاقيات (1983و 191985 1987 و1988)، وتواجه مديونية المغرب الخارجية ضغوطا متزايدة (أكثر من 62.2 مليار دولار سنة 2024)، مما يدفع الحكومة لإعادة تدوير الديون والاقتراض بآجال طويلة تمتد إلى 2050 لإدارة التوازنات. لهذه العمليات تداعيات خطيرة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي…فعندما انخرط المغرب في سياسة التقشف المفروضة عليه انطلاقا من سنة 1983، حتم عليه مراجعة أدوار الدولة من خلال تقليص دعمها المالي لعدد م القطاعات الإنتاجية وتحرير بنية الإنتاج و ملائمتها مع متطلبات السوق؛ فعلى المستوى الاجتماعي تم تقليص مناصب الشغل إلى حد أدنى، لاسيما بالقطاعات الحيوية كالتعليم والصحة…مما انعكس على جودة الخدمات العمومية وعمق أزمة البطالة و جعل الحكومات المتعاقبة في مواجهة أفواج الخريجين، وواصل قانون المالية لسنة 1984 سياسة التقشف في تكاليف التجهيز أو تكاليف التسيير، حيث بلغ العجز الإجمالي للخزينة %6 من الناتج الداخلي الخام، مما حتم لاحقا على حكومة التناوب تبني سياسة الخوصصة لإنقاذ المالية العمومية ؟!
كما كان لسياسة التقويم الهيكلي نتائج كارثية على القطاع الفلاحي الذي يمثل مابين 15 و%20 من الناتج الداخلي الخام( PIB )، حيث تلقى المغرب، في إطار هذا البرنامج، قرضين (PASA) من البنك الدولي؛ الأول انطلق من 1985 إلى غاية 1987 و الذي ركز على إعادة تحديد أدوار المؤسسات العمومية وتدخلاتها وإخضاعها لمنطق السوق، حذف وإلغاء الحواجز عند التبادل الداخلي والخارجي و تفويت للقطاع الخاص جزء من الأراضي الفلاحية والقطيع الذي كان في ملكية الدولة (سيتعزز هذا التوجه أكثر مع مجيء مخطط المغرب الأخضر سنة 2008 وبعده الجيل الأخضر). أما القرض الثاني(1988/ 1992 )خصخصة الأنشطة التجارية، وارتفع على إثرها سعر مياه السقي ب 50%و تم التخلي عن الدورة الزراعية، كما ارتفعت أسعار الأسمدة إلى مستوى 50%، وتم تشجيع المواد المعدة للتصدير على حساب المنتجات ذات الاستهلاك المحلي مما انعكس على حياة الفلاح البسيط والقرويين بشكل كبير امتد إلى اليوم حيث لازال المغرب يغوص في مستنقع الاقتراض من السوق الدولية( أزيد من 4 مليار في سنتين)،الشيء الذي ستكون له تداعيات وخيمة في حالة تفاقمت مستويات المديونية ووصلت البلاد إلى حد عدم استطاعة السداد، حينذاك ستصبح في أزمة الديون السيادية (كما وقع في اليونان)، حيث ستفشل الحكومة في سداد ديونها المقومة بالعملات الأجنبية لعدم قدرتها على تدبير العملات اللازمة لذلك!و خاصة أن الحكومة قامت (يونيو 2014) ببيع سندات سيادية بقيمة مليار أورو مما يرشح المديونية للاقتراب من مستوى الخطر( كحالة الأرجنتين سنة 2001)؟ تبعا لذلك تفقد تصنيفها الائتماني في سوق الاقتراض. ورغم سياسة الإطراء التي مارستها “كريستين لاغارد”المديرة السابقة لصندوق النقد الدولي حول التوازنات الماكرو- اقتصادية للمغرب بمنحه ضمان “خط ائتماني”جديد أو خط الوقاية والسيولة (6.2 مليار دولار)، و وصفته ” كريستالينا غورغييفا ” المديرة الحالية بأنه “يقوم بعمل جيد جداً” في ترتيب أوضاعه الداخلية بفضل سياسات مالية ونقدية متينة ، ومنحه خط ائتمان مرن” بقيمة 4.5 مليار دولار سنة 2025 لتعزيز هوامش الأمان وحماية الاقتصاد من المخاطر.… !؟ ورغم ذلك، فلن يكون سوى حبل سيلتف حول القدرة الاقتصادية للمغرب الذي سيرهن مستقبل الأجيال المقبلة، وسيغرق البلاد في مزيد من التبعية للمؤسسات الدولية التي لا يهمها الظرف الاقتصادي أو أن القرض سيمكن من تحسين الوضع الاقتصادي للمواطنين للبلد المدين..؟، بقدر اطمئنانها إلى توظيف رؤوس أموالها وضمان استرداد ديونه بفوائدها.
وهنا يتساءل المرء عما يمكن أن تقوم به الدول النامية وضمنها الدول العربية للتخلص من ربقة الديون والتبعية؛ فما عليها في تقديرنا، إلا بإجراء إصلاحات داخلية جادة توفر بنية استثمارية تستقطب الأموال والأفكار مقتدية بنموذج الصين. كما لدول إفريقيا التي (حسب الرئيس الروسي، فلادبمير بوتين، تتحكم فرنسا في 14 دولة غنية بثرواتها) أن تعمل على تفعيل التكتلات والركائز الاقتصادية من قبيل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس – ECOWAS) واتحاد إقليمي لتعزيز التكامل في غرب أفريقيا. الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا (UEMOA) كإطارات شاملة تهدف لدمج أسواق الدول الأعضاء وتعزيز التنافسية الاقتصادية وتقليل الاعتماد على الواردات الخارجية في أفريقيا.
أما مجلس التعاون الخليجي( تأسس سنة 1981)، فهو يوجد في قلب الأزمة بسبب الحرب على إيران، ، وحيث أن الأراضي الزراعية محدودة واعتماده على تحلية مياه البحر(60 و90 % )، ما يجعلها تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد لتلبية احتياجاتها الغذائية(المملكة العربية السعودية تستورد أكثر من 80% من غذائها، والإمارات حوالي 90%، وقطر 98%، بينما يمر الجزء الأكبر من واردات العراق الغذائية عبر مضيق هرمز رغم امتلاكه نهرين رئيسيين). وإغلاق هذا الممر البحري فعليًا (نتيجة الهجمات على السفن التجارية) و الذي تشكّل نحو 20% من إمدادات الطاقة العالمية، لكن بالنسبة لدول الخليج العربي، يتجاوز هذا المضيق كونه طريقًا للطاقة، فهو شريان حياة لملايين البشر، إذ يعتمد أكثر من 100 مليون نسمة على إمداداته الحيوية اليومية، وإغلاقه يُنذر بارتفاع أسعار المواد الغذائية وتقليص الخيارات المتاحة للمستهلكين، واحتمال رفع أسعار بعض المنتجات الغذائية بنسبة تصل إلى 20%، خصوصًا منتجات الألبان والفواكه والخضراوات الطازجة (حسب برنامج الأغذية العالمي). ورغم أن حجم اقتصاد المنطقة يقدر ب 2.5 تريليون دولار سنة 2025، وشهد إنتاج النفط الخام بها عام 2024، ما يقدر ب16.1 مليون برميل يومياً ( مقارنة بـ 17 مليون برميل في 2023) و، تعتبر المنطقة المحرك الرئيسي للطاقة عالمياً، حيث تساهم بنحو 21.8% من الإنتاج العالمي للنفط الخام و26.6% من صادراته و تمتلك 32.7% من احتياطيات النفط العالمية. إلا أنها فشلت في تحقيق أهم أهداف التكامل الاقتصادي الشامل وتوجد في وضعية قلقة و تحديات جمة بسبب أزمة الخليج ( منذ 28 فبراير 2026) التي خلقت أزمة طاقة في العالم..فهذه الحرب ( يؤدي الخليج فاتورتها) التي خوضها أمريكا(وإسرائيل) بذرائع واهية، بل هي من أجل السيطرة على النفط و الممرات المائية (كلها بالحزام الإسلامي الأوسط سوى قناة باناما) وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، تلقي، بكل تأكيد، بظلالها على دول العالم ككل، وخاصة المستضعفة التي لا تتوفر على احتياطات وسيادة غذائية فتضطر مجددا للوقوع في فخ الاستدانة.. !
فالقاعدة العامة لدى الصندوق الدولي تشير إلى أن كل ارتفاع بنسبة 10 في المائة في أسعار الطاقة، إذا استمر نحو عام، قد يرفع التضخم العالمي بنحو 40 نقطة أساس، ويخفض الناتج الاقتصادي بنسبة تتراوح بين 0.1 في المائة و0.2 في المائة. أما إذا بقيت أسعار النفط فوق 100 دولار لفترة طويلة، فمن المتوقع أن تكون التداعيات على التضخم والنمو أكثر حدة.
ويشير خبراء في المجال الاقتصادي إلى أن تداعيات هذه الحرب يمكن أن تكون لها آثار تضخمية وتباطؤ النمو الاقتصادي على المغرب، ما سيؤدي إلى فرض إجراءات تقييدية للحد من تداعياتها.لذا يمكن للتكتل المغاربي ( اتحاد المغرب العربي، UMA تأسس سنة 1989 بمراكش) لعب دور الممتص للصدمات (Amortisseur )فهو يحتل موقعا استراتيجيا يجعله قريبا من القارة الأوربية بحوالي 14 كلم عبر مضيق جبل طارق، أي يمثل منطقة عبور بين إفريقيا وأوربا،وتبلغ مساحته حوالي 6 مليون كلم مربعا( تفوق مساحة الاتحاد الأوروبي)وعدد سكانه حوالي 100 مليون نسمة( 80% بالمغرب والجزائر). كما أن هذا الموقع يجعل هذا التكتل يطل على واجهتين بحريتين هما البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلنطي، حيث تلعب هذه البلدان دورا مهما بموارد اقتصادية مهمة متمثلة في الأراضي الزراعية الشاسعة، والثروة المعدنية والطاقية، بحيث تتوزع بين دول المنطقة، نجد أهم الثروات البترولية والغازية تتركز في الجزائر وليبيا، والفوسفاط في المغرب وتونس، (والمناسبة شرط، فالمغرب يتصدر قائمة الدول العربية والأفريقية المُنتجة للفضة محتلة المركز 16 عالميا في حجم الإنتاج عام 2024، بمقدار 8.6 ملايين “أونصة” وفقا لمسح الفضة العالمي 2025 الصادر عن معهد الفضة؟!)، والحديد في موريتانيا تمكنها من تحقيق التكامل الاقتصادي بين بلدان المنطقة تتنوع الأنشطة الاقتصادية من بلد مغاربي إلى آخر ومن شأنها خلق تكامل جاد بين هذه الدول و تمكنها من تكسير القبضة التي تمارسه القوى المهيمنة ومؤسساتها على أموالها ومشروعاتها في الوقت الحاضر
كما أن الدول العربية و الإسلامية مطالبة بتفعيل دور صندوق النقد العربي و بنك التنمية الإسلامي من خلال الموارد البشرية والمالية كأدوات للتنمية، أسوة بدول “بريكس” (BRICS)تأسس في سنة 2009 ، حيث تمثل قوة اقتصادية وجيوسياسية متنامية بتجاوزها 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. تضم المجموعة11 دولة، الأعضاء الخمسة المؤسسون (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) بالإضافة إلى الأعضاء الجدد الذين انضموا في 2024-2025 وهم: مصر، إثيوبيا، إيران، المملكة العربية السعودية، الإمارات العربية المتحدة، وإندونيسيا .وكما أن الجيوسياسية تقوم على السيطرة الجغرافيا ومن تم التحكم في الاقتصاد، لأن الاختناق الجغرافي ضروري لمنع نشوء أنظمة مالية تجارية بديلة. لهذا بإمكان هذه الدائرة، إن رغبت في الانعتاق من تحت رحمة المؤسسات المانحة والقوى العظمى المتحكمة فيها، أن تتوسع لشمل باقي الدول النامية،تجسيدا لشعار “الاتحاد قوة” بمواردها وإمكاناتها، لأنه ليس هناك دولة باستطاعتها العيش في عزلة اقتصادية (Autarcie)، ولإيجاد مسيرة تنموية جادة ومتكافئة تعم كافة الدول التواقة لاستغلال ثرواتها و لتحقيق استقرارها و سيادتها بعيدة عن توصيف “مالك بن نبي” للشعوب ذات القابلية للاستعمار:”من لا يأكل من ضربة فأسه لا يملك قراره في رأسه”. فالأمن الحقيقي لا يكون بدون عدالة وكرامة الإنسان.







