تتكدس الشاحنات في المداخل الشرقية لمدينة الدار البيضاء قبل بزوغ الفجر، محملة بأطنان من الخضر والفواكه القادمة من ضيعات سوس والغرب والحوز، لكن وصول هذه المنتجات إلى سوق الجملة “سيدي عثمان” لا يعني اقترابها من موائد المستهلكين بالثمن العادل، بل يعني دخولها إلى “منطقة رمادية” يحكمها قانون غير مكتوب وضعه وسطاء يسيطرون على مفاصل التوزيع بعيدا عن أعين الرقابة الضريبية والمهنية.
هذا التحقيق يتتبع مسار “الدرهم الضائع” في سلاسل التوريد، ويكشف كيف تحولت أسواق الجملة بالمغرب من فضاءات للخدمة العمومية إلى معاقل للريع المقنن و”الشناقة” الذين يرفعون الأسعار بجريرة “الوساطة الوهمية”.

تبدأ الرحلة من الضيعة، حيث يبيع الفلاح الصغير منتجه من “البصل” بـ 1.80 درهم للكيلوغرام، وبمجرد وصول الشاحنة إلى محيط سوق الجملة، تبدأ عملية “المزايدة الصامتة”.
مصادر ميدانية من داخل السوق أكدت لـ “نيشان” أن الشحنة قد تُباع وهي لا تزال فوق الشاحنة لثلاث مرات متتالية قبل أن تفرغ حمولتها في المربع.
في كل عملية “بيع ورقي” وسط هذه السلسلة، يرتفع الثمن بمعدل 0.50 درهم، مما يعني أن المنتج يدخل المربع (الكارو)، وقد زاد ثمنه بنسبة 40% قبل أن يطأ أرضية السوق، دون أن تستفيد خزينة الجماعة أو الدولة من سنتيم واحد من هذه العمليات التي تتم نقدا وبعيدا عن أي نظام للفوترة.

في قلب هاته الأزمة إن صحّ التوصيف، يبرز نظام “المربعات” و”الوكلاء”، وهو نظام يعود إلى عقود مضت، حيث تمنح الجماعات الحضرية تراخيص لأشخاص (وكلاء) لاستغلال مساحات داخل السوق مقابل نسبة مئوية من رقم المعاملات.
المعطيات التي حصلت عليها “نيشان” تكشف أن العديد من هؤلاء الوكلاء لا يمارسون المهنة بأنفسهم، بل يعمدون إلى “تأجير” مربعاتهم من الباطن (سوتريتونس) لوسطاء كبار مقابل مبالغ شهرية تتراوح بين 30 ألف و60 ألف درهم للمربع الواحد، حسب الموقع ونوعية المنتج.
هذا “الإيجار غير القانوني” يمثل كلفة إضافية يضطر الوسيط الفعلي لتعويضها عبر الرفع من هوامش الربح على حساب المستهلك والفلاح، مما يحول المربع من أداة لتنظيم التجارة إلى “أصل تجاري” يدر ريعاً صافياً لا يخضع للمساءلة.

وتشير الأرقام الرسمية الصادرة عن تقارير المجلس الأعلى للحسابات في فترات سابقة، إلى أن اختلالات أسواق الجملة تفقد الجماعات الترابية ما لا يقل عن 30% من المداخيل الجبائية المفترضة.
ففي سوق سيدي عثمان وحده، الذي يمتد على مساحة 30 هكتاراً ويعالج قرابة مليون طن من الخضر والفواكه سنويا، تظل المداخيل المسجلة رسميا تحت سقف التوقعات بكثير مقارنة بحجم الرواج الحقيقي.
السبب بحسب المصادر، يعود إلى ظاهرة “البيع خارج المربعات” وتواطؤ بعض المكلفين بالتحصيل مع كبار التجار لتسجيل كميات أقل من الواقع في السجلات الرسمية، وهو ما يسمى في لغة السوق “التملص من الرسوم”.

وبالانتقال إلى الجانب التقني، يكشف التحقيق عن غياب تام لسلسلة التبريد داخل أغلب أسواق الجملة بالمملكة، وهو ما يؤدي إلى ضياع ما بين 25% إلى 30% من السلع نتيجة التلف.
هذا الهدر لا يتحمله التاجر، بل يتم “تحميله” في هيكلة الأسعار النهائية.
وبحسب خبير في السياسات الفلاحية تحدث لـ “نيشان“، فإن “غياب منصات لوجستيكية حديثة داخل الأسواق يجعل المغرب يفقد سنويا مئات الملايين من الدراهم في شكل أغذية تالفة، وهي خسارة تساهم بشكل مباشر في ندرة العرض وارتفاع الأسعار في فترات ذروة الاستهلاك”.
ولا يقتصر الأمر على الهدر المادي، بل يمتد إلى “كارتيلات” غير رسمية تتحكم في تدفق السلع.
الحديث هنا، بحسب ما أكده بعض التجار، عن “عمليات تخزين قسري” تتم في مستودعات سرية خارج أسوار السوق الرسمية، حيث يتم حبس كميات كبيرة من مواد أساسية مثل “البطاطس” أو “البصل” لافتعال نقص في السوق، ومن ثم إخراجها تدريجيا بأسعار مضاعفة.
هذه الممارسات التي تقع تحت طائلة “المضاربة” تجد بيئة خصبة في ظل ضعف المراقبة من طرف لجان المختلطة التي تكتفي غالباً بجولات في أسواق التقسيط، متجاهلة “الرؤوس الكبيرة” التي تتحكم في الصنبور الرئيسي داخل أسواق الجملة.

وعلى مستوى التشريع، يظل القانون رقم 37.21 المتعلق بتسويق المنتجات الفلاحية، الذي كان من المفترض أن ينهي زمن “الوكلاء” ويعوضهم بشركات تدبير حديثة، حبيس رفوف “المقاومة السياسية”.
مصادر مطلعة أكدت أن هناك “لوبيات انتخابية” قوية، تشمل منتخبين في المجالس الجماعية يمتلكون هم أنفسهم أو عائلاتهم مصالح في أسواق الجملة، تعرقل خروج المراسيم التطبيقية التي تفرض الرقمنة والفوترة.
وتضيف هاته المصادر، إن الانتقال إلى نظام التدبير عبر “شركات التنمية المحلية” يعني نهاية “المال السائب” والنقدي الذي يغذي الحملات الانتخابية لبعض الوجوه السياسية المحلية، وهو ما يفسر التأخر الحاصل في تعميم تجربة “الأسواق من الجيل الجديد”.

أما “الشناقة”، وهم الحلقة الأكثر غموضاً وفتكا في السلسلة، فهم جيش من الوسطاء لا يملكون سجلاً تجاريا ولا يدفعون ضرائب، لكنهم يمتلكون “سلطة الواقع”.
هؤلاء يتدخلون في اللحظة التي تخرج فيها السلعة من يد الفلاح وقبل وصولها إلى بائع التقسيط. في سوق “إنزكان” مثلا، وهو المزود الرئيسي للمغرب بالخضروات، رصد التحقيق وجود وسطاء يقومون بشراء محاصيل ضيعات كاملة قبل نضجها (الخضر على الحقل)، وهو ما يجعلهم يتحكمون في السعر الوطني لاحقا.
هذا “الاستباق” التجاري، بحسب مصادرنا، يفرغ مخططات حكومية من قبيل “الجيل الأخضر” من محتواها الاجتماعي، فبينما تدعم الدولة الإنتاج، يذهب الربح الأكبر لوسطاء “المكاتب المكيفة” الذين لم يلمسوا تراب الأرض يوما.
وفي ظل هذا الوضع، يجد بائع التقسيط نفسه في مواجهة مباشرة مع غضب المواطن، رغم أنه هو الآخر ضحية لمنظومة “الجملة”. يوضح أحد باعة التقسيط في منطقة “الحي المحمدي” بالدار البيضاء، أن السعر الذي يشتري به من سوق سيدي عثمان يكون محملاً بـ “رسوم غير قانونية” و”إتاوات” يحصل عليها الحمالة وأصحاب العربات المجرورة والوسطاء، ليجد نفسه مضطرا لرفع السعر لضمان هامش ربح بسيط.
ويضيف: “نحن في نهاية السلسلة، نتلقى الضربات من الجميع، بينما الربح الحقيقي يتبخر في الطريق بين الضيعة وباب السوق”.

في خضم ذلك، ترى مصادر مطلعة تحدثت لـ “نيشان“، أن إصلاح أسواق الجملة في المغرب ليس مجرد عملية تنظيمية لمساحات البيع، بل هو معركة ضد “ثقافة الريع” التي تجذرت في مفاصل التدبير المحلي.
وبحسب هاته المصادر، فإن الحل لا يكمن فقط في بناء أسواق جديدة بمواصفات حديثة، بل في كسر “الاحتكار القانوني” للوكلاء، وفرض مسار إجباري للفوترة يربط بين الفلاح والتاجر بشكل مباشر، مع تفعيل دور مجلس المنافسة للضرب على أيدي “الكارتيلات” التي تقتات على جيوب المغاربة.
وتشير المصادر، إلى أنه بدون إرادة سياسية حقيقية لفك الارتباط بين “المال الانتخابي” و”ريع الأسواق”، ستظل أسعار الخضر والفواكه رهينة لمزاجية “الشناقة” وقوة اللوبيات التي تجيد الاصطياد في مياه الأسواق العكرة.







