حصيلة رقمية… ونقاش سياسي مفتوح
قدّمت حكومة عزيز أخنوش حصيلتها أمام البرلمان بلغة يغلب عليها منطق الأرقام، مستحضرة إصدار 847 نصاً قانونياً كعنوان رئيسي لدينامية تشريعية يُراد لها أن تُقرأ كمؤشر على نجاح في التدبير والإنتاج التشريعي. غير أن هذا التراكم الكمي، مهما بدا لافتاً في حجمه، لا يحسم في جوهر النقاش العمومي، بقدر ما يعيد طرح سؤال أكثر إلحاحاً: هل تحوّل هذا الإنتاج التشريعي إلى أثر اجتماعي واقتصادي ملموس، أم ظل في حدود المؤشرات الرسمية؟
في هذا السياق، جاء تأكيد رئيس الحكومة على أن “عصر الوعود انتهى”، في إشارة إلى الانتقال نحو منطق النتائج. غير أن هذا الشعار، حين يُوضع في ميزان الواقع، يصطدم بسؤال بسيط لكنه حاسم: أي نتائج يشعر بها المواطن فعلياً في معيشه اليومي؟
والواقع أن الحكومة، رغم كثافة خطابها حول “الإنجاز”، لم تنجح في بناء مسافة ثقة كافية مع المواطن، إذ ظل الإحساس العام بأن الفجوة بين القول والفعل لم تُردم، بل توسعت في عدد من الملفات الاجتماعية الحساسة.
اقتصاد تحت الضغط… وفجوة اجتماعية تتسع
على المستوى الاقتصادي، تبدو المؤشرات محمّلة بتعقيد واضح. فارتفاع المديونية يحد من هامش الحركة، في وقت لم ينعكس فيه النمو الاقتصادي بشكل كافٍ على تقليص الفوارق الاجتماعية أو تحسين توزيع الثروة. كما أن سوق الشغل ما يزال يعاني اختلالات بنيوية، خاصة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.
وفي هذا الإطار، لا يبدو استمرار احتجاج فئة المعطلين مجرد تعبير ظرفي، بل نتيجة مباشرة لفجوة قائمة بين مخرجات التكوين وحاجيات الاقتصاد، وبين السياسات العمومية وقدرتها الفعلية على خلق فرص شغل مستدامة. كما يُسجل استمرار غياب أثر اجتماعي ملموس للسياسات الاقتصادية الكبرى، بما يعمّق الإحساس بعدم الإنصاف في توزيع ثمار النمو.
السجل الاجتماعي الموحد.. إصلاح ضروري بإشكالات في التنزيل
من بين أبرز أوراش هذه الحكومة، يبرز السجل الاجتماعي الموحد كآلية لإعادة توجيه الدعم نحو الفئات المستحقة. غير أن تنزيل هذا الورش كشف عن إشكالات دقيقة تتعلق بمعايير الاستهداف وقياس الهشاشة.
ففي عدد من الحالات، أدى إعادة تصنيف بعض الأسر إلى تقليص أو إيقاف الدعم عنها، رغم وضعيتها الاجتماعية الهشة، ما فتح نقاشاً حول مدى قدرة المؤشرات الرقمية على اختزال الواقع الاجتماعي المعقد. كما برز ضعف في مواكبة هذا التحول على مستوى التواصل والتأطير، ما جعل جزءاً من المواطنين يشعرون بأنهم خارج معادلة الحماية الاجتماعية الجديدة.
احتجاجات متعددة.. مرآة لاختلالات أعمق
لم يعد الاحتجاج خلال هذه الولاية حدثاً معزولاً أو قطاعياً، بل أصبح مؤشراً على دينامية اجتماعية ممتدة.
فقد عرف قطاع التعليم حركات احتجاجية متكررة، كما شهد قطاع الصحة توترات مرتبطة بالإصلاحات وظروف العمل. وخرج طلبة الطب والصيدلة في محطات احتجاجية عبّروا فيها عن رفض أو تحفظ على بعض التوجهات الإصلاحية. كما برزت احتجاجات الصيادلة الذين عبّروا عن رفضهم لعدد من الترتيبات التنظيمية والمهنية التي اعتبروها مؤثرة على توازن القطاع واستقراره.
وإلى جانب ذلك، ظل حضور المعطلين في الفضاء الاحتجاجي مستمراً، بما يعكس استمرار أزمة الإدماج الاقتصادي. كما ظهرت تعبيرات شبابية جديدة تُصنف ضمن ما يُعرف بـ“جيل زد”، تعتمد على أدوات رقمية وميدانية في التعبير، في تحول يعكس تغير طبيعة الفعل الاحتجاجي، لا فقط مطالبه.
القدرة الشرائية.. من غلاء المعيشة إلى كلفة الطاقة
يبقى ملف القدرة الشرائية أحد أكثر الملفات حساسية في تقييم هذه المرحلة. فارتفاع أسعار المواد الأساسية واللحوم لم يعد مرتبطاً بظرفية عابرة، بل أصبح جزءاً من الضغط المعيشي اليومي للأسر.
وقد تجلى ذلك بشكل واضح خلال عيد الأضحى، حيث تحولت أسعار الأضاحي إلى مؤشر اجتماعي ضاغط، كاشف عن اختلالات في سلاسل التوزيع، مع بروز دور الوسطاء في السوق، أو ما يُشار إليهم شعبياً بـ“الفراقشية”، كعامل يفاقم الفجوة بين المنتج والمستهلك.
كما لا يمكن فصل هذا الضغط عن ملف الطاقة، خصوصاً البترول والغازوال، حيث ظلت أسعار المحروقات في مستويات مرتفعة، ما انعكس بشكل مباشر على كلفة النقل والإنتاج والأسعار النهائية. ورغم مركزية هذا الملف في النقاش العمومي، ظل التدخل الحكومي محدوداً في اتجاه إعادة التوازن للسوق أو تخفيف أثر تقلبات الأسعار الدولية على المستهلك.
الحكامة والثقة.. الصحافة، التنظيم، وحدود الشرعية
سياسياً، يظل سؤال الحكامة من أكثر الأسئلة حساسية. فقد أثار سحب مشروع قانون الإثراء غير المشروع نقاشاً واسعاً حول حدود الإرادة السياسية في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي ملف الصحافة، برز نقاش حاد حول وضعية المجلس الوطني للصحافة، خصوصاً في ما يتعلق بطريقة تدبيره وآليات تجديد هياكله. وقد أثار هذا الوضع جدلاً مهنياً وقانونياً حول مدى شرعية استمرارية المجلس بصيغته الحالية، وحدود تمثيليته للصحافيين، في ظل انتقادات تعتبر أن التنظيم الذاتي للمهنة يحتاج إلى نفس جديد يعزز الاستقلالية والشفافية بدل تكريس حالة من التوتر داخل القطاع.
كما أن استمرار الجدل حول تضارب المصالح وتدبير بعض الصفقات العمومية يعمّق إشكالية الثقة، باعتبارها عنصراً مركزياً في العلاقة بين المواطن والمؤسسات، وغالباً ما يكون أكثر تأثيراً من المؤشرات الاقتصادية في تقييم الأداء السياسي.
وفي السياق ذاته، فإن المتابعات القضائية التي طالت بعض المنتخبين، من ضمنهم برلمانيون ينتمون إلى الأغلبية، في ملفات تتعلق بتدبير الشأن العام أو شبهات فساد، تعيد طرح سؤال العلاقة بين الشرعية الانتخابية والمساءلة.
الماء والنموذج التنموي.. حدود الاستدامة
بيئياً، يبرز ملف الماء كأحد أكثر التحديات الاستراتيجية إلحاحاً. فالفرشات المائية تتعرض لضغط متزايد بفعل الجفاف وتوسع أنماط إنتاج فلاحية موجهة للتصدير، تعتمد بشكل كبير على استهلاك المياه.
وفي هذا الإطار، يُعاد تقييم “المخطط الأخضر” باعتباره نموذجاً ساهم في تحسين الإنتاج والصادرات الفلاحية، لكنه يواجه في المقابل نقاشاً متزايداً حول كلفته البيئية والاجتماعية، خصوصاً فيما يتعلق باستنزاف الموارد المائية وتأثيره على الفلاحة الصغيرة.
في النهاية، قد ينتصر الخطاب في لحظته، لكنه يظل عاجزاً عن منافسة الذاكرة.
وذاكرة المغاربة، حين تتشكل، نادراً ما تخطئ في الحكم.







