يبدو أن التناغم الذي تحاول الحكومة إظهاره في خرجاتها الإعلامية المبرمجة بات يصطدم بـ”حائط الأرقام”، الذي يفضح نوعاً من التباين في الخطاب السياسي بين رئاسة الحكومة ووزارة الاقتصاد والمالية.
فبينما يحرص رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، في عدد من محطاته البرلمانية والسياسية على استحضار “مظلومية” موروث الحكومات السابقة، معتبراً قرار رفع الدعم عن المحروقات “خطيئة” سياسية أثقلت كاهل القدرة الشرائية للمغاربة، جاءت الخرجة الأخيرة لوزيرة الاقتصاد والمالية، نادية فتاح علوي، لتقدم رواية مختلفة تضع المعطيات الاقتصادية في صلب النقاش.
الوزيرة، وبنبرة يغلب عليها الطابع التقني، أقرت بأن التخلص من عبء صندوق المقاصة في ما يتعلق بالمحروقات لم يكن مجرد خيار، بل شكل “متنفساً” للمالية العمومية، مبرزة أنه لولا هذا القرار لما توفرت للحكومة الحالية هوامش مالية كافية لتمويل ورش “الدولة الاجتماعية”.
هذا التباين في القراءات داخل البيت الحكومي يثير تساؤلات حول حدود التجانس بين خطاب سياسي يميل إلى تحميل المسؤولية للماضي، وخطاب تقني يقر بأن تلك الإصلاحات وفرت شروط التوازن المالي الحالي وساهمت في تفادي ضغوط قوية على الميزانية.
وتفيد معطيات متداولة في الكواليس بأن استمرار العمل بنظام الدعم بصيغته السابقة قبل سنة 2016 كان سيرفع كلفة صندوق المقاصة إلى مستويات تفوق 120 مليار درهم، في ظل تقلبات الأسعار الدولية، وهو ما كان سيشكل ضغطاً كبيراً على التوازنات المالية.
وبدل أن يتحول هذا المعطى إلى أرضية لنقاش عمومي صريح، يواصل رئيس الحكومة التأكيد على كلفة القرارات السابقة، في مقابل إبراز وزارة المالية لآثارها الإيجابية على المدى المتوسط، ما يعكس نوعاً من التباين في تقديم نفس الإصلاح للرأي العام.
كما يمتد هذا التباين إلى تدبير سوق المحروقات، حيث تتصاعد تساؤلات في الأوساط السياسية حول أسباب تأخر تفعيل آليات أكثر صرامة لمراقبة الأسعار وحماية المستهلك، رغم توفر الحكومة على أدوات التدخل، مقابل الاكتفاء بتتبع تقلبات السوق الدولية.
وترى مصادر مطلعة تحدثت لـ”نيشان” أن هذا الاختلاف في الخطاب قد يعكس تبايناً في المقاربات داخل الحكومة، خاصة في ما يتعلق بملفات من قبيل تسقيف الأسعار أو مراجعة بعض الضرائب، وهي خيارات تظل محل نقاش بالنظر إلى انعكاساتها الاقتصادية والمالية.
ووفق المصادر ذاتها، فإن الجمع بين خطاب “الدولة الاجتماعية” ومتطلبات التوازنات المالية يفرض على الحكومة تحقيق قدر أكبر من الانسجام في مواقفها، خاصة وأن الأرقام الرسمية تؤكد أن عدداً من الإصلاحات السابقة ما زال يشكل رافعة أساسية للوضعية المالية الحالية.
وتخلص هذه المعطيات إلى أن الإشكال لا يرتبط فقط بتقلب أسعار المحروقات، بل أيضاً بمدى قدرة الحكومة على توحيد خطابها السياسي والاقتصادي، بما يعزز وضوح الرؤية لدى الرأي العام ويكرس الثقة في تدبير الملفات الحيوية.







