وضعت الأرقام الأخيرة الصادرة عن مكتب الصرف برسم الربع الأول من عام 2026 “السيادة الاقتصادية” للمغرب أمام اختبار حقيقي، بعدما كشفت عن تراجع مقلق في صادرات الفوسفاط ومشتقاته بنسبة 7.4%، وهو المعطى الذي يراه مراقبون بمثابة “جرس إنذار” يؤكد أن الأزمات البنيوية التي يعيشها المجمع الشريف للفوسفاط بدأت تخرج من ردهات المكاتب الإدارية لتضرب قلب ميزان الأداءات الوطني.
ورغم محاولات الخطاب الرسمي الاحتماء ببريق قطاع السيارات الذي نما بنسبة 12.1%، إلا أن انكماش أداء “القاطرة الفوسفاتية” يعري هشاشة النموذج التصديري المغربي الذي يفقد تدريجيا “درعه التاريخي” الذي كان يمتص العجز التجاري، خاصة وأن هذا التراجع يأتي بالتزامن مع الانكشاف الاستراتيجي للمجمع أمام تبعية الأمونيا المستوردة وقرار خفض الإنتاج بـ 30%، ما يعني أن “الفجوة الاستراتيجية” التي حذرت منها تقارير سابقة تحولت الآن إلى نزيف رقمي موثق في سجلات التجارة الخارجية.
وتفيد قراءات تقنية لمصادر متقاطعة بأن هذا التراجع ليس مجرد تقلب عابر في الأسعار الدولية، بل هو انعكاس مباشر لمأزق “الارتهان للنيتروجين” الذي جعل العملاق المغربي يفقد مرونته التنافسية في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تنتظر عرضاً أقوى، حيث يبدو أن “وصفة” مصطفى التراب القائمة على التوسع في المديونية لم تنجح في تحصين الصادرات من الصدمات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وفي ظل هذا المشهد، تبرز مفارقة مقلقة؛ فبينما ينمو قطاع السيارات والطيران اللذان تسيطر عليهما استثمارات أجنبية تعود أرباحها للخارج، يغرق الفوسفاط، وهو “المالك الوحيد” للسيادة المالية الوطنية، في دوامة التراجع، مما يطرح تساؤلات حارقة حول جدوى الاستمرار بنفس الرؤية التدبيرية التي تقود المجمع منذ عقدين، والتي لم تنجح في تحويل “احتياطيات الذهب الأبيض” إلى درع واقٍ في لحظات التأزم الاستراتيجي.
ويرى خبراء أن ربط هذا التراجع بالدينامية السلبية لقطاعات تشغيلية أخرى كالنسيج والجلد التي هوت بنسبة 14.1%، والالكترونيك بنسبة 4.7%، يكشف عن “نمو غير متوازن” يهدد الاستقرار الماكرو-اقتصادي للمملكة، حيث بات المغرب يعتمد بشكل مفرط على قطاعات “تجميعية” في حين تتآكل قطاعاته السيادية والتاريخية.
ووفقا للمصادر ذاتها، فإن هذا “التآكل الهيكلي” في صادرات الفوسفاط يضع إدارة التراب في قفص الاتهام مجدداً، لكونها لم تبنِ “الأمن الكيميائي” اللازم لضمان استمرارية التدفقات التصديرية في ظروف الأزمات، مما دفع المجمع للجوء إلى “الهروب المالي” عبر السندات الهجينة لتغطية فجوات كان من المفترض أن تسدها عوائد التصدير التي تتجه اليوم نحو الانحدار.
وفي تعليقه على هذه المؤشرات، يرى خبير اقتصادي متخصص في المبادلات الدولية أن تراجع الفوسفاط بنسبة تفوق 7% في ثلاثة أشهر هو “اعتراف مرقم” بضعف كفاءة إدارة المخاطر داخل المجمع الشريف.
وأضاف الخبير الذي تحفظ على كشف هويته، في اتصال هاتفي مع “نيشان“، أن “الاعتماد على نمو السيارات لتغطية فشل الفوسفاط هو رهان محفوف بالمخاطر، لأن القيمة المضافة لقطاع السيارات تظل مرتبطة بقرار الشركات الأم، بينما الفوسفاط هو الورقة الرابحة الوحيدة التي يملك المغرب فيها كامل القرار، وهي الورقة التي تبدو اليوم باهتة”.
واختتم المتحدث ذاته تصريحه لـ “نيشان” بالتأكيد على أن “الوضع الحالي يستوجب مراجعة شاملة لنمط قيادة المجمع الشريف للفوسفاط، إذ لم يعد ممكنا الاستمرار بوجوه استنفدت كل طاقتها الابتكارية، في وقت تحتاج فيه البلاد لضخ دماء جديدة قادرة على استعادة التوازن المفقود في الميزان التجاري بعيداً عن سياسة تدوير الديون وإخفاء الثغرات التدبيرية خلف الأرقام الانتقائية”.







