السياسة، كما يقولون، هي فن تدبير الزمن. لكن ما وقع في المغرب خلال الأسابيع الأخيرة يوحي بأن الزمن السياسي لم يعد يخضع لقوانين الفيزياء المعروفة، بل لقوانين الانتخابات. ففي أقل من شهر، انتقلت “حكومة أخنوش” من موقع المدافع الشرس عن الساعة الإضافية إلى موقع المبشر بإلغائها، في انقلاب سياسي يصعب تفسيره بالمعطيات التقنية أو الاقتصادية، ويسهل تفسيره بشيء واحد: اقتراب موعد الصناديق.
في نهاية ماي الماضي، كانت الحكومة تتحدث بلغة الواثق الذي حسم الأمر نهائيا. فقد خرجت وزيرة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أمل الفلاح السغروشني، لتؤكد في جوابها عن سؤال كتابي تقدم به المستشار البرلماني لحسن نازهي عن فريق الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بشأن “الآثار السلبية للتوقيت الصيفي على المردودية والإنتاج”، أن التوقيت المعتمد ليس مجرد تدبير إداري عابر، بل خيار استراتيجي تحكمه اعتبارات اقتصادية ومؤسساتية وتشريعية متراكمة.
قيل للمغاربة إن الساعة الإضافية ضرورة تفرضها متطلبات الاندماج الاقتصادي ونجاعة المرفق العمومي. وقيل لهم أيضا إن الدولة وفرت من المرونة ما يكفي للتخفيف من آثارها على الحياة اليومية. يومها، لم يكن هناك أي حديث عن معاناة نفسية أو اضطراب اجتماعي أو تراجع في الإنتاجية. كانت الساعة الإضافية، في الرواية الرسمية، جزءًا من عقل الدولة لا من مزاج السياسة.
ثم حدث ما يشبه المعجزة.
فجأة، اكتشفت أحزاب الأغلبية أن هذه الساعة نفسها تضر بالاستقرار النفسي والاجتماعي للمواطنين، وتؤثر على السير العادي للإدارة، وأن الوقت قد حان للتراجع عنها. السؤال البسيط الذي يفرض نفسه هنا، أين كانت هذه الحقائق قبل شهر؟ هل كانت الحكومة تجهل آثار قرارها طوال ثماني سنوات؟ أم أنها كانت تعرف وتسكت؟ وفي الحالتين، لا تبدو الصورة مطمئنة.
ما تغير بين ماي ويونيو ليس الدراسات ولا المؤشرات ولا الوقائع. ما تغير هو المناخ السياسي. فقد نجح عبد الإله بنكيران، بخبرته الطويلة في التقاط المزاج الشعبي، في تحويل ملف الساعة إلى ورقة انتخابية رابحة. الرجل لم يقدم دراسة أكاديمية ولا تقرير خبرة، بل قدم وعدا سياسيا بسيطا ومفهوما : إذا عدنا إلى الحكومة سنلغي الساعة الإضافية. وسرعان ما وجد الوعد صدى لدى فئات واسعة من المواطنين الذين لم يقتنعوا يومًا بمبررات الإبقاء عليها.
عند هذه النقطة بالضبط، بدأ الارتباك داخل الأغلبية. فقد أدركت أن ترك هذا الملف بيد بنكيران يعني منحه هدية انتخابية مجانية، وأن الإصرار على موقفها السابق قد يحول الساعة إلى رمز للفجوة بينها وبين الرأي العام. لذلك اختارت الحل الأسهل، وهو انتزاع الورقة من يد الخصم ولو كان الثمن هو نسف كل ما قيل بالأمس.
لم يعد السؤال اليوم لماذا ألغيت الساعة الإضافية، بل لماذا احتاجت الحكومة إلى اقتراب الانتخابات حتى تكتشف ما كان يقوله المغاربة منذ سنوات؟ ولماذا فشلت آلاف الشكايات والانتقادات والاحتجاجات والمقالات في إحداث الأثر الذي أحدثه وعد انتخابي واحد؟
الجواب ربما لا يحتاج إلى كثير من التحليل. ففي الأنظمة الديمقراطية، قد تدفع الحكومات أثمانا سياسية عندما تتجاهل الرأي العام. أما عندنا، فيبدو أن الحكومات لا تسمع جيدا إلا عندما تبدأ أصوات الناخبين في الاقتراب. حينها فقط تتحول القرارات “الاستراتيجية” إلى قرارات “اجتماعية”، وتتحول القناعات الراسخة إلى مواقف قابلة للمراجعة، وتتحول الساعة نفسها من ضرورة اقتصادية لا نقاش فيها إلى عبء نفسي يستوجب الإلغاء.
وهكذا، لم تنتصر مطالب المغاربة بعد سنوات من الجدل، بل انتصر الخوف من صناديق الاقتراع. أما الباقي فليس سوى تفاصيل في مسرح السياسة.







