الناس فالناس والقرع فمشيط الراس”.. يُلخص هذا المثل المغربي المفارقة التي نعيشها اليوم على هامش التعبئة الجماعية التي ترافق مسار المنتخب الوطني في مونديال 2026. ففي الوقت الذي تتجه فيه بوصلة الاهتمام العام نحو متابعة الحصيلة الرياضية لكتيبة المدرب محمد وهبي، اختارت جهات معينة، تتستر خلف واجهة رقمية عبرية، إطلاق بالون اختبار يستهدف البنية السوسيولوجية للمجتمع المغربي، عبر محاولة تفكيك النخبة الوطنية على أسس عرقية وقبلية، ونسب الإنجاز الرياضي إلى “جينات” محددة، مع إرفاق ذلك بخطاب إقصائي تجاه المكون العربي.
الوقوف عند هذه التدوينة لا ينبغي أن ينزلق نحو الإدانة العاطفية أو السجال الهوياتي العقيم، بل يتطلب قراءة هادئة في سياقاتها وأهدافها. فمن الزاوية السياسية، نحن أمام محاولة لإحياء منطق ما قبل الدولة في مواجهة منطق الدولة الحديثة. والحال أن الإنجاز الكروي في عالم اليوم لا تصنعه القبائل ولا الأعراق، بل تصنعه المؤسسات والاستثمار والتخطيط والعمل المتراكم لسنوات.
يكفي أن نستعيد مشاهد المغاربة في شوارع الرباط والدار البيضاء وطنجة وأكادير خلال مونديال قطر. يومها لم يسأل أحد عن أصل أشرف حكيمي، ولا عن لهجة سفيان بوفال، ولا عن جغرافية عز الدين أوناحي. ملايين المغاربة كانوا يحتفلون بفريق اسمه المغرب، لا بلائحة أنساب ولا بخريطة إثنية. وحين تحاول جهة ما تجريد الدولة من هذا المجهود المؤسساتي واختزال كل شيء في “شفرة وراثية” للاعبين ينحدرون من هذه الجهة أو تلك، فهي لا تسيء إلى كرة القدم فقط، بل تسيء إلى فكرة الوطن نفسها.
وخلف هذا العبث، يختبئ رهان أكثر تعقيدا. ففي زمن الحروب الناعمة، أصبحت الرياضة واحدة من آخر المساحات القادرة على إنتاج الإجماع الوطني. ولذلك ليس غريبا أن تتحول إلى هدف لمحاولات التشويش والاستقطاب. فاستهداف المنتخب لا يعني بالضرورة استهداف أحد عشر لاعبا داخل رقعة الميدان، بل استهداف تلك اللحظة النادرة التي يشعر فيها المغاربة، رغم اختلافاتهم السياسية والاجتماعية والثقافية، بأنهم يتحدثون بصوت واحد.
إن اختيار صفحة تحمل اسما إسرائيليا لنشر هاته التدوينة، في هذا التوقيت الإقليمي المشحون يطرح أكثر من علامة استفهام حول هوية الفاعل الحقيقي وخلفياته. وقد يكون الأمر مجرد استفزاز رقمي رخيص، وقد يكون محاولة مدروسة لاختبار قابلية النقاش العمومي المغربي للانزلاق نحو الاستقطاب الإثني. لكن المؤكد أن الهدف في الحالتين واحد، وهو تحويل لحظة وحدة وطنية إلى مادة للفرقة والشك المتبادل.
والرد على هذا النوع من الاختراقات لا يكون بالانجرار إلى معارك افتراضية عقيمة أو الدخول في مزايدات حول أصول اللاعبين وانتماءاتهم. لأن مجرد القبول بهذا النقاش هو اعتراف ضمني بقواعد اللعبة التي يريد أصحاب هذه الخطابات فرضها. الرد الحقيقي يكمن في استحضار المرجعية الدستورية التي حسمت منذ سنوات في سؤال الهوية، وأقرت أن قوة المغرب تكمن في تعدد روافده ووحدة مصيره.
ولعل مستودع ملابس المنتخب الوطني يقدم اليوم الصورة الأوضح لهذا المعنى. هناك يلتقي ابن الحسيمة بابن أكادير، وابن الدار البيضاء بابن الراشيدية أو تزنيت، ويتحول التنوع الذي يحاول البعض تقديمه كسبب للانقسام إلى مصدر قوة جماعية. لذلك لم يكن المنتخب المغربي يوما مرآة للانقسامات، بل كان دائما أحد أنجح مصانع الوحدة الوطنية.
في نهاية المطاف، لا يمكن فصل هذا النوع من الاستهداف الرقمي عن مسار الصعود الذي تعيشه المملكة على أكثر من واجهة. فكلما نجح المغرب في إنتاج لحظات إجماع حول قضاياه وإنجازاته، ظهرت محاولات للتشويش عليها من بوابة الهوية والانتماء. غير أن ما أثبتته التجربة مرارا هو أن المغاربة، عندما يتعلق الأمر بالوطن، يختلفون في أشياء كثيرة، لكنهم يعرفون جيدا كيف يجتمعون حول شيء واحد اسمه المغرب.







