يدخل شهر يونيو على المغاربة مثقلاً على الدوام بـأصداء قديمة، يتقاطع فيها لهيب الطقس بلهيب الأسعار، ليعيد إلى الأذهان ذكرى عشرين يونيو 1981، تلك المحطة التاريخية التي وُسمت بـأقسى النعوت وسالت فيها دماء كثيرة دفاعا عن لقمة العيش.
لكن بين مغرب 1981 ومغرب 2026، جرت مياه كثيرة تحت جسر المعيش اليومي، وتغيرت معها “السِّلعة الرَّمز” التي تشعل غضب الشارع وتختزل بؤس القدرة الشرائية؛ فبعد أن كانت “الكوميرا” هي الخط الأحمر وعنوان الكرامة الجريحة، تحول “المازوط” في الوجدان الشعبي المعاصر إلى المحرك الأساسي للاحتجاج، و”التيرمومتر” الذي يقيس به المغاربة عمق الأزمة الاجتماعية.
يتذكر الحاج الجيلالي، وهو متقاعد سبعيني يقطن بـالحي المحمدي في الدار البيضاء، تفاصيل ذلك اليوم البعيد من صيف 1981 حين خرج الناس مدفوعين بقرار مفاجئ للحكومة برفع أسعار الدقيق والسكر والزيت، ويقول بنبرة يمتزج فيها الحنين بالمرارة إن “الكوميرا” آنذاك لم تكن مجرد عجين مخبوز، بل كانت الفاصل بين الجوع والشبع للطبقات الساحقة، وكان المساس بها يعني إعلان حرب على البيوت البسيطة، لذلك حين وصف وزير الداخلية “ادريس البصري” آنذاك ضحايا الانتفاضة بـ “شهداء الكوميرا”، كانت العبارة طعنة في كبرياء المغاربة، لأن الخبز في ثقافتنا شيء مقدّس لا يُهان.
ويضيف الجيلالي وهو يتأمل فاتورة قفته: “اليوم لا أحد يخرج من أجل خبزة جافة، فالخوف الآن من ذاك العداد الرقمي في محطات الوقود، إنه يلتهم كل شيء، الخبز والخضر واللحم وحتى مستقبل الأبناء”.
من جانبها، ترى نجيبة أيت بودلال الباحثة في علم الاجتماع السياسي بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أن هذا الانتقال من “الكوميرة” إلى “المازوط” يمثل تحولاً جذريا في سوسيولوجيا الاحتجاج المغربي وفي طبيعة الوعي الشعبي بالحقوق؛ فبينما كان احتجاج 1981 يدور حول “غريزة البقاء البيولوجي” والاكتفاء الذاتي الأدنى، أصبح احتجاج 2026 يتمحور حول “شروط المواطنة العصرية” وتكلفة الاندماج الاجتماعي.
وتشرح الباحثة في اتصال هاتفي مع “نيشان” أن “المازوط” لم يعد في نظر المغاربة مجرد مادة طاقية لتحريك المحركات، بل تحول إلى “مُعامل فرز طبقي” يُحدد من يملك الحق في التنقل والتمدرس اللائق واستهلاك الخضار الطرية ومن يُحكم عليه بالعزلة والتقشف القسري؛ معتبرة أن الشارع المغربي بات يملك وعيا هيكليا يربط فيه بذكاء شديد بين شاشة محطة الوقود وبين السياسات الاحتكارية وتضارب المصالح، مما جعل المحروقات رمزا للعدالة التوزيعية المفقودة.
هذا الوعي المتنامي هو ما يفسر كيف أصبح المواطن المغربي يدرك أن ارتفاع درهم واحد في لتر الديزل يعني آليًا اشتعال أسعار الطماطم في أسواق التقسيط، وارتفاع تسعيرة النقل المدرسي، وزيادة كلفة غاز البوتان، مما يجعل “المازوط” السلعة الأكثر رعباً وهيمنة على المخيال الجمعي.
وفي الوقت الذي تستعد فيه المركزيات النقابية للخروج إلى شوارع الدار البيضاء في مسيرات احتجاجية أواخر هذا الشهر، يبدو المشهد الاقتصادي معقدا؛ ففي عام 1981، كان العدو واضحاً للشارع وهو “برنامج التقويم الهيكلي” الذي أملاه صندوق النقد الدولي ونفذته الدولة بمرسوم.
أما اليوم، فيرى محللون اقتصاديون أن الأزمة باتت مركبة ومفتوحة على تغول الرأسمال الريعي؛ حيث نجحت الحكومات المتعاقبة في تفكيك “صندوق المقاصة” تدريجيا وتحرير أسعار المحروقات دون وضع شبكات أمان حقيقية، مما ترك المواطن وجها لوجه أمام تقلبات السوق وجشع المضاربين، مؤكدين أن آليات الدعم الاجتماعي المباشر عجزت عن كبح التآكل الحاد في قدرة الطبقة الوسطى والفقيرة، لأن مفعولها يتبخر فورًا أمام قفزات أسعار الطاقة.
وتكشف المقارنة بين الأمس واليوم أن روح الاحتجاج في المغرب لم تتغير، لكن أدواتها ومفرداتها هي التي تبدلت؛ فالمواطن الذي كان ينتفض بالأمس لأن الإدارة رفعت ثمن المواد المدعمة، يجد نفسه اليوم محاصراً بـ “غلاء صامت” يزحف على كل تفاصيل يومه دون حاجة لبلاغات حكومية رسمية.
وإذا كانت “الكوميرا” قد دخلت التاريخ السياسي للمغرب كرمز لانتفاضة شهدت منعطفا حقوقياً مأساويا، فإن “المازوط” بات يمثل اليوم في وجدان المغاربة رمزا لـ “الحكرة الاقتصادية” وسوء توزيع الثروة، وتذكيرا يوميا بأن المسافة بين الاستقرار الاجتماعي والاحتقان قد تختصرها بضع سنتيمات تضاف إلى شاشة محطة الوقود.







