في وقت ترفع فيه وزارة الصحة والحماية الاجتماعية شعار “الرأسمال البشري دعامة ومحرك للارتقاء بالمنظومة الصحية” خلال فعاليات الأيام الوطنية للموارد البشرية التي تحتضنها مدينة مكناس، تفجرت انتقادات حادة تكشف عن مفارقة بين الخطاب الرسمي والواقع العملي، مسلطة الضوء على إقصاء المهنيين من النقاشات التي تهم مستقبلهم، مقابل استمرار الوزارة في إبرام صفقات مليارية لإيواء مسؤوليها في الفنادق الفخمة.
واعتبرت مصادر مهنية ونقابية تحدثت لـ “نيشان“، أن هذه الأيام الوطنية التي برمجت في الفترة الممتدة من 23 إلى 25 يونيو الجاري، تجرى في غياب تام للموارد البشرية المعنية أساسا بما يسمى ورش الإصلاح، بل وسجلت غيابا حتى للمسؤولين المحليين بمدينة مكناس والجهة.
وترى ذات المصادر أن لا أحد من الشغيلة الصحية المستهدفة بهذا الإصلاح كان على علم بهذا المؤتمر الذي يتحدث باسمهم ويخطط لمستقبلهم المهني، معتبرة أن اللقاء يبدو في جوهره تمهيدا لعملية ترحيل الموارد البشرية نحو المجموعات الصحية الترابية أكثر من كونه محطة لإشراكهم الفعلي في اتخاذ القرار.
واستغربت المصادر ذاتها الجدوى من عقد هذا اللقاء، المخصص للمسؤولين المركزيين والجهويين ومدراء مؤسسات التكوين ورؤساء الأقسام، في فندق فخم مصنف ضمن فئة أربع نجوم، مما يكلف دافعي الضرائب المغاربة أموالا طائلة.
وأوضحت المصادر أنه كان الأجدر بوزارة الصحة دعوة هؤلاء المسؤولين إلى أحد مقراتها المتعددة في العاصمة الرباط، والتي تتوفر على قاعات اجتماعات كبرى ومجهزة، ترشيدا للنفقات العمومية.
وفي سياق متصل بالإنفاق المالي المخصص لمثل هذه التظاهرات، كشفت وثائق رسمية عن استمرار الوزارة في ضخ ميزانيات ضخمة في قطاع “الفندقة” الخاص بأنشطتها. وتفيد النتائج النهائية لطلب عروض (رقم 22/2025) بإرساء صفقة ضخمة تبلغ قيمتها 4.760.140.00 درهم (أكثر من 476 مليون سنتيم). وقد تمت المصادقة على هذه الصفقة في الثالث من شهر فبراير الماضي بمدينة الرباط، وهي مخصصة لتغطية تكاليف الإيواء والإطعام للمشاركين في مختلف الندوات والمؤتمرات والأنشطة التابعة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، حيث نالتها شركة تحمل إسم “مُبَارَكة إيفانتس”.
وتتقاطع هذه المعطيات الموثقة مع ما كشف عنه موقع “نيشان” قبل أيام قليلة، بخصوص إطلاق الوزارة لمسطرة طلب عروض دولي مفتوح آخر، يرتقب فتح أظرفته في 29 يونيو الجاري، لإبرام صفقة إطار تتجاوز قيمتها 3.5 ملايين درهم، مخصصة هي الأخرى لتوفير خدمات الإقامة في فنادق مصنفة وتقديم الطعام للمشاركين في أنشطة الوزارة.
وترى المصادر أن تواتر هذه الصفقات المليارية المخصصة للإيواء والتغذية، في مقابل تهميش القاعدة العريضة من الشغيلة الصحية وتغييبها عن محطات حاسمة ترسم مسارها المهني، يطرح علامات استفهام كبرى حول التناقض بين تصريحات الوزير أمين التهراوي الذي اعتبر مهنيي الصحة حجر الزاوية في مسار التغيير، وبين الواقع الذي يجد فيه “الرأسمال البشري” نفسه خارج أسوار الفنادق الفخمة التي تخطط فيها الوزارة لمستقبل المنظومة الصحية.







