أثارت العملية التمويلية الأخيرة التي أنجزتها مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP)، والمتمثلة في إصدار سندات مساهمة دائمة بقيمة 5 مليارات درهم في السوق المحلية، نقاشا ماليا واقتصاديا صامتا داخل أوساط الاستثمار والتمويل، خلف الخطاب الاحتفالي الذي رافق البلاغات الرسمية للمجموعة.
وفي الوقت الذي روجت فيه إدارة المجمع، عقب إغلاق الاكتتاب في 24 يونيو الجاري، لنجاح العملية باعتبارها دليلاً على “ثقة المستثمرين” و”صلابة الحكامة المالية”، كشفت مصادر تدقيقية ومحاسباتية مطلعة لـ”نيشان” عن أبعاد مغايرة تضع هذه الخطوة في سياق هندسة محاسباتية اضطرارية لجأت إليها إدارة مصطفى التراب لتفادي اصطدام المؤشرات المالية للمجمع بالخطوط الحمراء التي تحددها وكالات التصنيف الائتماني الدولية، من قبيل “فيتش” و”موديز”، خاصة بعد تراجع أرباح الربع الأول من السنة الجارية بنسبة 24 في المائة، واستقرار رقم المعاملات عند 20.1 مليار درهم.
وتفيد المعطيات التقنية التي حصلت عليها الجريدة من مصادر وثيقة الصلة بملف الإصدار السندي أن لجوء إدارة مصطفى التراب إلى ما يعرف بـ”السندات الدائمة الهجينة” (Hybrid Perpetual Bonds) يمثل، في جوهره، آلية تسمح للمجموعة قانونياً باقتراض خمسة مليارات درهم من السوق دون إدراجها ضمن الديون الكلاسيكية في ميزانيتها العمومية، حيث يتم تقييدها محاسبيا ضمن الأموال الذاتية أو شبه الذاتية، بالنظر إلى طبيعتها التي تجمع بين خصائص الدين وخصائص رأس المال.
وأوضحت المصادر ذاتها أن المجمع كان قريباً من تجاوز بعض مؤشرات المديونية المعتمدة دولياً مقارنة بأرباحه التشغيلية، وهو ما كان من شأنه أن يضع ضغوطا إضافية على تصنيفه الائتماني ويرفع كلفة ولوجه إلى التمويلات الخارجية.
ووفق المصادر نفسها، فإن الإدارة التدبيرية التي تقترب من إكمال عقدين على رأس هذا المرفق الاستراتيجي فضلت اللجوء إلى هذه الآلية المالية المعقدة لتفادي انعكاس الحجم الحقيقي للمديونية على المؤشرات المعتمدة من قبل الشركاء والمقرضين الدوليين.
وتضيف المصادر أن هذه التوليفة المحاسباتية لم تكن لتحقق تغطية كاملة للاكتتاب وفي ظرف وجيز لولا التحركات التي شهدتها كواليس سوق رؤوس الأموال المحلية، حيث مصادر نيشان بأن الصناديق الكبرى التي امتصت الجزء الأكبر من هذه السندات، وعلى رأسها هيئات التقاعد والمعاشات وصندوق الإيداع والتدبير وشركات التأمين وإعادة التأمين، لم تتحرك فقط بمنطق الجدوى الاستثمارية الصرفة، بل في ظل قناعة بضرورة مواكبة مؤسسة تعد من ركائز الاقتصاد الوطني.
وتربط المصادر بين العملية التمويلية الحالية والضغوط النقدية التي يواجهها المجمع نتيجة تسارع وتيرة استثماراته، بعدما ارتفعت نفقاته الاستثمارية إلى 10.14 مليارات درهم خلال ثلاثة أشهر فقط، بالتزامن مع تراجع بعض مؤشرات العائدات المرتبطة بالتصدير والأسمدة.
الى ذلك توقفت مصادر نقابية عند بند أورده بلاغ المجمع دون تفصيل واسع، ويتعلق بمنح OCP إمكانية تأجيل أداء الفوائد للمستثمرين وفق شروط محددة. واعتبرت المصادر أن هذا المعطى يثير تساؤلات مشروعة حول مستوى المخاطر التي تتحملها المؤسسات المستثمرة في هذه السندات، خاصة تلك التي تدبر أموال ومعاشات ملايين المنخرطين والمتقاعدين.
وتساءلت المصادر ذاتها عن مدى ملاءمة توجيه جزء من مدخرات صناديق التقاعد نحو أدوات مالية تمنح للمقترض هامشا واسعا لتأجيل أداء مستحقات المستثمرين في حال تدهور ظروف السوق أو استمرار الضغوط التي تعرفها الأسواق العالمية للفوسفاط ومشتقاته، وهو ما يجعل جزءا من هذه المدخرات أكثر ارتباطاً بالتقلبات الجيوسياسية والدورات الدولية للمواد الأولية.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، حذر اقتصاديون من الأثر الذي قد يخلفه استقطاب مجمع الفوسفاط لجزء مهم من السيولة المحلية المتاحة، معتبرين أن ضخ 5 مليارات درهم لفائدة مؤسسة عمومية واحدة قد يكرس ما يعرف اقتصاديا بـ”ظاهرة التزاحم”، حيث تتقلص الموارد المالية المتاحة أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة والقطاع الخاص الباحث عن التمويل والاستثمار.
ويذهب محللون إلى أن الإدارة الحالية لـOCP اختارت امتصاص جزء مهم من فوائض الادخار الوطني لتمويل مشاريعها الاستراتيجية في مجالات الهيدروجين الأخضر وتحلية المياه والطاقات المتجددة، وهي أوراش ضخمة تستهلك رساميل هائلة قبل أن تبدأ في تحقيق عوائد تجارية ملموسة. ومن هذا المنظور، يرى منتقدو هذه السياسة أن عملية إصدار السندات الأخيرة تعكس حجم الضغوط التمويلية التي باتت تفرضها رهانات التوسع والاستثمار، وتطرح أسئلة متزايدة حول الكلفة الحقيقية للحفاظ على سردية الريادة العالمية للفوسفاط المغربي وانعكاساتها على التوازنات المالية الداخلية.







