بينما تنشغل الدوائر الحكومية في الرباط بالاحتفاء بالأرقام المعلنة للموسم الفلاحي الحالي، وتروّج لخطاب “المعجزة الخضراء” المرتبط بإنتاج مرتقب يناهز تسعة ملايين طن من الحبوب، تكشف المعطيات الميدانية عن واقع مغاير، يؤكد أن التساقطات المطرية التي عرفها هذا الشتاء لم تُخفِ الاختلالات البنيوية، بل أعادت إبرازها بعد سنوات من التواري خلف توالي مواسم الجفاف.
فالارتباك اللوجستي والميكانيكي الذي يطبع حصاد 2026 لا يبدو معطى ظرفياً، بقدر ما يعكس حدود نموذج فلاحي استنزف موارد مالية مهمة على مدى عقدين، عبر استراتيجيتي “المغرب الأخضر” وامتدادها “الجيل الأخضر”، دون أن ينجح في بناء مرونة كافية داخل القطاع لمواكبة طفرة إنتاجية مفاجئة. وهكذا تحوّل فائض الإنتاج من فرصة منتظرة إلى تحدٍّ ميداني يختبر جاهزية المنظومة برمتها.
لقد قامت الفلسفة المؤطرة لمخطط “المغرب الأخضر”، منذ إطلاقه سنة 2008، ولاحقاً “الجيل الأخضر”، على دعم مكثف لما يُعرف بـ”الدعامة الأولى”، أي الفلاحة العصرية ذات التوجه التصديري والقيمة المضافة المرتفعة، مثل الحوامض والأفوكادو والفواكه الحمراء، في مقابل اعتبار قطاع الحبوب نشاطاً تقليدياً مرتبطاً أساساً بالتقلبات المناخية. هذا التمايز في الدعم ساهم في تكريس فجوة بنيوية بين فلاحة مهيكلة وممولة، وأخرى معيشية محدودة الإمكانات، ما انعكس بشكل واضح على مستوى التجهيزات والميكنة.
ومع تسجيل محصول وافر هذا الموسم، وجد عدد من الفلاحين أنفسهم أمام محدودية أسطول آلات الحصاد وتقادمها، في ظل ضعف المواكبة التقنية والمالية، خاصة بالنسبة لصغار ومتوسطي المنتجين الذين تأثروا بشكل كبير بتوالي سنوات الجفاف. وأصبح هذا الخصاص عاملاً مباشراً في بطء عمليات الحصاد وارتفاع مخاطر ضياع جزء من المحصول.
في هذا السياق، يرى المهدي الركراكي، الباحث والمحلل الاقتصادي في السياسات الفلاحية، أن الوضع الحالي يطرح تساؤلات حول فعالية خطاب “السيادة الغذائية”، موضحاً أن آليات الدعم العمومي، خصوصاً تلك المرتبطة بصندوق التنمية الفلاحية، ظلت موجهة بدرجة أكبر نحو الضيعات الكبرى، في حين واجه الفلاحون الصغار صعوبات في الولوج إلى التمويل والتجهيز. ويضيف أن هذا الاختلال يفسر اعتماد جزء مهم من المنتجين على معدات متقادمة لمواكبة موسم استثنائي، بما يفاقم الضغط على سلسلة الإنتاج ويزيد من احتمالات الخسائر.
ولا يقتصر الإشكال على جانب الميكنة، بل يمتد إلى جودة المنتوج ذاته، حيث يبرز ضعف نسبة البروتين في القمح المحلي كأحد التحديات التقنية التي تحد من قدرته على التحول إلى دقيق صالح للخبز دون خلطه بالقمح المستورد.
ويرتبط هذا المعطى أيضاً بارتفاع أسعار الأسمدة الأزوتية في السوق الدولية، ما أثر على مستويات التخصيب، رغم موقع المغرب كأحد كبار منتجي الفوسفاط، وهو ما يطرح إشكالية ملاءمة السياسات المرتبطة بتأمين مدخلات الإنتاج.
من جهته، ينقل محمد أيت بوعدي، فلاح وممثل عن تنسيقية المنتجين الصغار بجهة فاس-مكناس، صورة عن التحديات اليومية التي يواجهها الفلاحون، مشيراً إلى أن شروط الجودة التي تعتمدها بعض المطاحن لتجميع المحصول المحلي تبدو، في نظر عدد من المنتجين، صعبة التحقق في ظل الإمكانات المتاحة.
ويضيف أن الفلاحين يجدون أنفسهم بين محدودية وسائل الحصاد ونقص اليد العاملة، من جهة، ومتطلبات التسويق والتجميع من جهة أخرى، ما يدفع بعضهم إلى تخزين الإنتاج أو توجيهه للاستهلاك الحيواني بدل بيعه بأسعار لا تغطي التكاليف.
في المحصلة، يبرز هذا الموسم أن وفرة التساقطات وحدها لا تكفي لضمان أداء متوازن للقطاع الفلاحي، وأن التحديات المرتبطة بالبنية والتجهيز وسلاسل التسويق تظل عوامل حاسمة في تقييم النجاعة الفعلية للسياسات المعتمدة. كما يعيد النقاش حول موقع زراعة الحبوب ضمن الأولويات الاستراتيجية، في ظل استمرار الاعتماد على الاستيراد لتلبية جزء مهم من الطلب الوطني.







