لم يمر قرار المحكمة الدستورية الصادر، اليوم، والقاضي بعدم دستورية أزيد من خمسين مادة من مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة العدول، باعتباره مجرد مكسب مهني لفئة خاضت إضرابات طويلة في مواجهة وزارة العدل، بل حمل في طياته، وفق قراءة مصادر مطلعة تحدثت لـ “نيشان“، مؤشرات واضحة على وجود اختلالات أعمق في منهجية إعداد النصوص التشريعية داخل القطاع الذي يشرف عليه وزير العدل عبد اللطيف وهبي.
ويُفهم من تعليل المحكمة، بحسب منطوق القرار وأسبابه، أن الأمر لا يتعلق فقط بخلاف حول مضامين جزئية، بل بعيوب بنيوية مست جوانب أساسية في الصياغة، إذ أثارت المحكمة من تلقاء نفسها عدم دستورية مواد متعددة، مسجلة، في هذا السياق، مساس بعض المقتضيات بحقوق فئات في وضعية هشاشة، من قبيل الأشخاص في وضعية إعاقة، كما وقفت عند ما اعتبرته خرقاً لمبدأ “عدم الاختصاص السلبي للمشرع”، فضلاً عن غياب ضمانات كافية لاستمرارية المرفق العام التوثيقي.
وفي هذا الإطار، يرى متابعون للشأن القانوني أن القرار يعيد طرح إشكالية جودة التشريع الصادر عن وزارة العدل، خاصة في ظل اعتماد مقاربة، يقول هؤلاء، إنها ترتكز على تمرير النصوص بالأغلبية العددية داخل البرلمان، دون استحضار كافٍ للضوابط الدستورية المؤطرة للعمل التشريعي، وهو ما يجعلها عرضة للسقوط أمام رقابة القضاء الدستوري.
ولا يبدو هذا التطور معزولاً عن سياق أوسع، إذ يأتي، امتدادا لسوابق مماثلة عرفها مسار عدد من مشاريع القوانين التي دافع عنها الوزير عبد اللطيف وهبي خلال الولاية الحالية.
ويُستحضر في هذا السياق قرار المحكمة الدستورية الصادر في غشت 2025، والذي قضى بعدم مطابقة عدد مهم من مواد مشروع قانون المسطرة المدنية للدستور، وهو النص الذي أثار، حينها، نقاشا حادا داخل الأوساط المهنية والحقوقية، خاصة في علاقته بهيئات المحامين.
وتعزز هذه المؤشرات، وفق تقدير عدد من الفاعلين، فرضية وجود ارتباك في هندسة بعض المشاريع التشريعية المرتبطة بالمهن القضائية والحريات، بما يطرح تساؤلات حول مدى استحضار المحددات الدستورية خلال مراحل الإعداد والصياغة، لاسيما في ظل تواتر الانتقادات التي وُجهت لطريقة تدبير الوزير لهذا الورش.
ويكتسي القرار الحالي أيضا بعدا سياسيا ومؤسساتيا، بالنظر إلى السياق الذي صدر فيه، خاصة عقب تصريحات سابقة لعبد اللطيف وهبي خلال لقاء جامعي في ماي 2026، عبّر فيها عن موقف انتقادي من أداء المحكمة الدستورية، وهو ما أعاد، حينها، النقاش حول طبيعة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية.
وفي السياق ذاته، يربط فاعلون مهنيون هذا التطور بما شهدته الساحة القانونية خلال الأيام الأخيرة من توتر غير مسبوق، عقب استقالة عدد من نقباء المحامين، على خلفية الخلاف مع وزارة العدل بشأن مشروع قانون المحاماة، وهو ما اعتُبر مؤشراً إضافياً على حدة المقاربة التي يعتمدها الوزير في تدبير ملفات المهن القانونية.
وفي هذا الصدد، يعتبر فاعلون سياسيون وحقوقيون أن لجوء 93 برلمانيا إلى تفعيل آلية الإحالة على المحكمة الدستورية يعكس دينامية مؤسساتية قائمة، ويؤكد في الآن ذاته دور القضاء الدستوري كآلية للتوازن بين السلط، من خلال مراقبة دستورية القوانين والحد من أي تجاوز محتمل في توزيع الاختصاصات.
ويبرز هذا التوجه بشكل خاص في تفسير المحكمة لبعض مقتضيات المشروع، من بينها المادة 120، حيث قيّدت صلاحيات وزير العدل في ما يتعلق بالجانب التأديبي، وحصرت تدخله في الإطار الإداري والتنفيذي، وهو ما اعتبرته “مصادر نيشان” تأكيداً على ضرورة صون استقلالية المهن القانونية والقضائية من أي امتداد للسلطة التنفيذية خارج حدودها الدستورية.
وفي المحصلة، يضع هذا القرار، وفق تقديرات متطابقة، وزارة العدل، ومن ورائها “حكومة أخنوش” برمتها، أمام تحدي مراجعة مقاربتها في إعداد النصوص القانونية، بما يضمن ملاءمتها مع أحكام الدستور وروحه، ويعيد، في الآن ذاته، التأكيد على أن الرقابة الدستورية تظل محددا أساسيا في ضبط التوازن بين السلط، وصمام أمان لتفادي انزلاقات تشريعية محتملة.







