لم يخرج عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، عن عادته الأثيرة في “تقطير الشمع” على الفاعلين السياسيين كلما سنحت له الفرصة، لكنه هذه المرة اختار توجيه رسائل سياسية واقتصادية بليغة وبحمولة ثقيلة، بدت وكأنها تفرمل مبكرا محركات الحملات الانتخابية السابقة لأوانها.
ففي الندوة الصحفية التي أعقبت الاجتماع الفصلي لمجلس البنك المركزي، لم يكتفِ “حارس المعبد المالي” بالمملكة بسرد الأرقام والمؤشرات الماكرو-اقتصادية الجافة، بل ارتدى، على نحو لافت، عباءة المحلل السياسي الواقعي ليرد بأسلوبه الساخر والمعهود على الوعود التي أطلقها حزب التجمع الوطني للأحرار بخصوص الرفع من قيمة الدعم المباشر للأسر في حال تصدره المشهد السياسي وحصوله على ثقة قيادة الحكومة المقبلة.
الجواهري، وبجملة مغربية قحة لا تخلو من دهاء سياسي، حين قال “حتى يخلاق ونسميوه عبد الرزاق”، بدا وكأنه يضع حدا مبكرا لخطاب انتخابي بدأ يتشكل في الأفق، مذكرا بأن تدبير الشأن العام لا يستقيم بمنطق الوعود المفتوحة، وأن الدعم الاجتماعي يظل إجراء فرضته سياقات وظروف محددة، وليس سياسة دائمة يمكن للدولة تحمل كلفتها إلى ما لا نهاية.
وفي هذا السياق، تشير قراءات متطابقة لعدد من الفاعلين والمتابعين للشأنين السياسي والاقتصادي إلى أن تصريحات والي بنك المغرب تجاوزت حدود التعليق الظرفي، لتُقرأ باعتبارها رسالة تحذيرية قوية من مؤسسة تتمتع بثقل خاص داخل هندسة القرار العمومي. ويرى مراقبون أن الجواهري دق ناقوس الخطر مبكرا، محذرا الأحزاب السياسية من مغبة توظيف التوازنات المالية للدولة في المنافسة الانتخابية، في مرحلة تتسم بحساسية اقتصادية متزايدة.
ويستند هذا التحذير، بحسب مصادر مطلعة، إلى معطيات موضوعية يكررها البنك المركزي منذ سنوات، تتعلق بهشاشة بعض محركات النمو الوطني وارتباطها بعوامل خارجية ومناخية يصعب التحكم فيها. فالرجل، الذي يضع الحفاظ على التوازنات الماكرو-اقتصادية ضمن أولوياته الأساسية، يدرك أن أي توسع غير محسوب في الإنفاق الاجتماعي قد ينعكس على مستويات العجز والمديونية، خاصة في ظل ظرفية دولية وإقليمية لا تزال مطبوعة بكثير من عدم اليقين.
ولذلك لم تمر تصريحات الجواهري مرور الكرام داخل الصالونات السياسية بالرباط، حيث أعادت إلى الواجهة النقاش القديم حول التوتر الصامت بين ما يمكن تسميته بـ”الواقعية النقدية” التي يمثلها التكنوقراط، و”البراغماتية الانتخابية” التي تحكم حسابات جزء من الفاعلين السياسيين. كما فتحت الباب أمام تساؤلات متجددة بشأن قدرة الحكومات المقبلة على التوفيق بين متطلبات الاستقرار المالي والضغوط الاجتماعية المتزايدة.
وتذهب المصادر إلى أن والي بنك المغرب حرص، من خلال مداخلته، على تذكير المعنيين بالأمر بأن الحكومة المقبلة، أيا كان لونها السياسي، ستكون مطالبة بمواصلة أوراش إصلاحية معقدة، في مقدمتها استكمال إصلاح صندوق المقاصة وتوجيه الدعم نحو الفئات المستحقة عبر السجل الاجتماعي الموحد.
ومن هذا المنطلق، تبدو الوعود المرتبطة بتوسيع الدعم النقدي المباشر في تعارض مع التوجه العام للدولة الرامي إلى عقلنة النفقات وضبط الأولويات المالية، خصوصا في ظل محدودية الهوامش المتاحة واستمرار تداعيات الأزمات الجيوسياسية على الاقتصاد العالمي.
وأبعد من السجال الظرفي الذي أثارته هذه التصريحات، تذهب تحليلات اقتصادية إلى أن الرسالة الأساسية التي أراد البنك المركزي تمريرها تتعلق بطبيعة النقاش الذي يفترض أن يطبع المرحلة المقبلة. فبدل التسابق نحو تقديم وعود مالية مباشرة لاستمالة الناخبين، يظل التحدي الحقيقي، وفق هذا المنظور، هو التنافس حول برامج اقتصادية قادرة على تحقيق نمو مستدام وخلق فرص شغل منتجة وتحفيز الاستثمار الخاص.
وبهذا المعنى، تبدو مداخلة الجواهري أقرب إلى تنبيه استباقي للطبقة السياسية بضرورة مواءمة الخطاب الانتخابي مع الإكراهات المالية والاقتصادية القائمة. وهي رسالة أعادت التذكير، مرة أخرى، بأن تدبير المال العام تحكمه في نهاية المطاف معادلات الأرقام والتوازنات، بقدر ما تحكمه رهانات السياسة وصناديق الاقتراع.







