في بلاغ رسمي يوم 23 يونيو 2026، أعلن الفريق النيابي لحزب التجمع الوطني للأحرار رفضه المشاركة في تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق حول الدعم الحكومي لاستيراد وتربية المواشي. الحجة التي ساقها قائد الفريق واضحة ومباشرة: المدة المتبقية من عمر مجلس النواب “لا تتعدى أسابيع معدودة”، وهي غير كافية لإحداث اللجنة وإنجاز أعمالها وإصدار تقاريرها، محذراً من أن المبادرة “تسقط في دائرة الاستغلال السياسوي لا غير”.
المشكلة أن هذا التحذير نفسه وعدم المشاركة في مطلب اللجنة يتحول إلى أداة سياسوية! فالأحرار، الذين يقودون الحكومة ويسيطرون على رئاسة قرارها التنفيذي، يرفضون اليوم أي مساءلة برلمانية جادة لملف الدعم العمومي في قطاع المواشي، ثم يقدمون هذا الرفض كدليل على “المسؤولية” و”النضج المؤسساتي”. التناقض صارخ، هم يحذرون من “الاستغلال السياسوي” بينما يستثمرون في رفض اللجنة لإنقاذ رئيس حزبهم، عزيز أخنوش، من أي تقرير رسمي قد يربط بين سياسات الدعم وغلاء اللحوم الذي أصبح يحرم آلاف الأسر المغربية من أضحية العيد بثمن معقول، وكأنهم خائفون من افتضاح أمر ما!
الأخطر من التناقض الإجرائي أن الحجة الزمنية نفسها مكشوفة. مجلس المستشارين لا يزال في منتصف ولايته (2021-2027)، ويملك أكثر من سنة كاملة أمامه. لو كان “الإكراه الزمني” موضوعيا فعلا، لكان من الممكن على الأقل فتح نقاش حول إمكانية إحداث اللجنة أو استكمال مسطرتها في الغرفة الثانية. لكن الأحرار يفضلون إغلاق الباب تماما في مجلس النواب، ولا يقدمون أي مبادرة بديلة في المستشارين، رغم أن بلاغهم لا يرفض الفكرة، بل برفض أجرأتها بالنظر إلى ضيق الوقت حسب رأيهم. لذلك يبدو الأمر ليس دفاعا عن المؤسسات، بل استخدام للإجراءات كدرع واق لرئيس الحكومة عشية الاستحقاقات الانتخابية.
ملف دعم المواشي ليس ملفا تقنيا عابرا. لقد تحول على مدى السنوات الأخيرة إلى عنوان لإحباط شعبي واسع، بعدما فشلت البرامج الحكومية في تحقيق هدفها المعلن وهو خفض أسعار اللحوم الحمراء وحماية القدرة الشرائية للمواطن. و بدلا من أن ينعكس الدعم العمومي على موائد المغاربة، أصبح يُتداول في الشارع كـ”فراقشية” جديدة، حيث استفاد عدد محدود من المستوردين من ملايير الدراهم والإعفاءات، بينما بقيت الأسعار مرتفعة، وبقي كثير من الأسر عاجزة عن شراء أضحية العيد إلا بأثمان تثقل كاهلها. عندما يرفض الحزب الذي يقود الحكومة فتح تحقيق برلماني في هذا الملف، رغم عدم معارضة باقي أضلاعها، فهو لا يحمي “استقرار المؤسسات”، بل يحمي صورة رئيسه من أي مساءلة قد تكشف حجم الفشل أو التلاعب.
الأحرار يتحدثون عن “الوفاء بالتعهدات الحكومية” و”دعم استقرار المؤسسات”، لكن أي استقرار هذا الذي يُبنى على تعطيل أداة دستورية أساسية للرقابة على الإنفاق العمومي؟ وأي تعهدات هذه التي تُحترم بينما يستمر المواطن في دفع ثمن غلاء اللحوم والأضاحي كل سنة؟ التحذير من “الاستغلال السياسوي” يبدو في هذا السياق مجرد إسقاط، ومحاولة للعب دور ضحية الحلفاء، فالذي يستغل التوقيت والإجراءات لتجنب المساءلة ليس المعارضة، بل الحزب الذي يقود الحكومة نفسه.
الرسالة التي يبعثها بلاغ الأحرار واضحة للرأي العام، عندما يتعلق الأمر بملف يمس رئيس الحكومة وقراراته مباشرة، يصبح البرلمان “قصير العمر” فجأة، وتصبح لجان التقصي الدستورية خطرا يجب تجنبه. أما عندما يتعلق الأمر بتمرير قوانين أو الدفاع عن الحكومة، فالوقت يكفي دائما. هذا ليس موقفا مبدئيا، بل حساب انتخابوي واضح، يضع حماية أخنوش فوق حق المغاربة في الحماية وفي معرفة مصير الدعم العمومي الذي دفعوه من جيوبهم.
المغاربة الذين يشتكون من غلاء الأضحية واللحوم ليسوا منافسين يمارسون “الاستغلال سياسويا”، بل هم ضحايا يطلبون انصافا قانونيا جوابا واضحا، أين ذهب الدعم؟ ولماذا لم تنخفض الأسعار رغم الإعفاءات والبرامج؟ عندما يغلق الأحرار الباب أمام لجنة تقصي بذريعة “الزمن الضيق”، بينما يملكون القدرة على فتحه في مجلس المستشارين، فإنهم لا يدافعون عن المؤسسات… بل يدافعون عن أنفسهم وربما عن جرائم أفظع في حق المال العام!







