“جندي الخفاء”، “رجل الظل”، و”داهية تحليل الأداء”… ألقاب تلاحق اسم موسى الحبشي كلما اقترب المنتخب المغربي من المواعيد الكبرى، دون أن يظهر الرجل في الصورة أو يتصدر المشهد. خلف الشاشات، وبعيدا عن ضجيج المدرجات، يشتغل أحد أكثر العقول التقنية تأثيرا داخل منظومة “أسود الأطلس”، واضعا التفاصيل الصغيرة في قلب التحضير، ومحولاً المعطيات والأرقام إلى أدوات لحسم المباريات.
موسى الحبشي، المزداد في 25 أكتوبر 1976، ينحدر من منطقة إيَعزانن بإقليم الناظور، ويحمل الجنسيتين المغربية والبلجيكية. مساره المهني لا يشبه المسارات التقليدية في كرة القدم، إذ لم يبدأ لاعبا ولا مدربا، بل شق طريقه من عالم مختلف تماماً، قبل أن يجد نفسه في قلب غرف التحليل والتخطيط. اشتغل في بداياته منسقاً موسيقياً، ثم قادته قناعته بالعمل المنهجي والدقة إلى التكوين في تحليل الأداء، حيث تخصص في قراءة المباريات عبر الفيديو واستثمار البيانات التقنية.
دخوله عالم كرة القدم كان تدريجياً ومدروسا. عمل مكتشفا للمواهب في نادي أياكس أمستردام، ثم مدربا لفئات الشباب في نادي لوكرين البلجيكي، قبل أن يلتحق بأندرلخت، حيث جمع بين التكوين وتحليل الفيديو. هناك تبلورت هويته المهنية، واختار التفرغ الكامل لتحليل الأداء، متنقلاً بين تجارب احترافية في بلجيكا ومصر والسعودية، ما منحه رؤية واسعة لكرة القدم باختلاف مدارسها وإيقاعاتها.
محطته المفصلية جاءت مع المنتخب البلجيكي، حين كان ضمن الطاقم التقني في نهائيات كأس العالم 2018 بروسيا. في تلك التجربة، اشتغل إلى جانب المدرب روبرتو مارتينيز، وأسهم في إعداد تقارير تقنية دقيقة حول الخصوم، وهو ما رسخ اسمه داخل دوائر التحليل في أوروبا، وفتح أمامه أبواباً جديدة في هذا المجال المتخصص.
في مارس 2020، التحق موسى الحبشي بالطاقم التقني للمنتخب المغربي، واستمر في مهامه مع تغير المدربين، إلى أن أصبح عنصراً ثابتاً في منظومة وليد الركراكي. منذ ذلك الحين، بات من “جنود الخفاء” داخل المنتخب، مكلفاً بتحليل الخصوم، وتتبع جاهزية اللاعبين، وبناء ملفات تقنية مفصلة تشمل الجوانب التكتيكية والبدنية، ورصد أدق التفاصيل المرتبطة بالتمركز والتحولات والكرات الثابتة.
عمله لا يقتصر على قراءة المنافسين فقط، بل يمتد إلى متابعة لاعبي المنتخب داخل أنديتهم، وتحليل عدد دقائق اللعب، وشدة الجهد، ومستوى الأداء، بما يسمح للجهاز التقني باتخاذ قرارات مبنية على معطيات دقيقة لا على الانطباعات. هذا الاشتغال الهادئ والمتراكم انعكس في محطات حاسمة، حيث ظهر المنتخب المغربي منظماً، مستعداً، وقادراً على تدبير تفاصيل المباريات الكبرى.
في مونديال قطر 2022، خرج اسم موسى الحبشي إلى العلن لأول مرة، خاصة قبل مواجهة بلجيكا، حين سلطت وسائل إعلام بلجيكية الضوء على دوره داخل الطاقم المغربي، بحكم معرفته الدقيقة بكرة القدم البلجيكية. في تلك المباراة، برز أثر التحليل المسبق، خصوصاً في استغلال الكرات الثابتة، ما عزز صورة الرجل كأحد العقول التي تشتغل في صمت وتصنع الفارق.
اليوم، ومع بلوغ المنتخب المغربي نهائي كأس إفريقيا على أرضه، يتأكد أن النجاحات لا تُصنع فقط بالأقدام داخل الملعب، بل أيضاً بالعقول التي تشتغل في الكواليس. موسى الحبشي يمثل نموذج إطار وطني راكم خبرته خارج المغرب، ثم عاد ليضعها في خدمة المنتخب، بعيداً عن الأضواء، وبمنطق مهني صارم يجعل من التفاصيل مفتاحاً للإنجاز.







