من الطبيعي جدا، أن تعرف البطولات الرياضية وخصوصا بطولات كرة القدم كبطولة كأس العالم، على اعتبار أنها الرياضة الأكثر شعبية في العالم، حالة من التقاطب الجماهيري، حيث يمتزج التشجيع مع السجال والسخرية عند جماهير مختلف المنتخبات الكروية المتنافسة في هذه البطولات.
لكن الملاحظ أن السجال الدائر بالموازاة مع بطولة كأس العالم 2026 قد تجاوز الجماهير الرياضية، إلى الأوساط الإعلامية في العديد من الدول العربية-الإفريقية التي تشارك منتخباتها الوطنية في هذه البطولة، حتى صارت برامجها المواكبة لهذه التظاهرة منصات لتهييج جماهيرها عوض تحفيزها على دعم ومساندة منتخباتها.
فعوض التحليل الرياضي الموضوعي لمختلف المباريات، وعوض التركيز على أداء منتخباتها الوطنية، ومن خلالها واقع منظوماتها الرياضية الوطنية، يلاحظ أن بعض البرامج الرياضية بهذه الدول، تحاول جاهدة التغطية على إخفاقات منتخباتها، بالانتقاص من نجاحات المنتخب الوطني المغربي، بل الأكثر من ذلك، وفي مشهد هزلي جدا، عمدت هذه البرامج إلى إعطاء تفسيرات وشروحات ذات طابع سياسي وإيديولوجي لنتائج مباريات كأس العالم.
في هذا السياق، تجب الإشارة، إلى أن استعمال المعطى السياسي في تحليل الشأن الرياضي ليس أمرا مرفوضا، بل على العكس من ذلك، قد يساهم هذا المعطى في تحديد مداخل لشرح وفهم الإخفاقات الرياضية، لكن هذه الأوساط الإعلامية لم تتعامل معه بوصفه أداة للفهم والتفسير، بل جعلت منه وسيلة لتبرير الإخفاق، والتغطية على أسبابه الحقيقية، لتجعل من التجارب الرياضية الناجحة، مرتبطة بمواقف دبلوماسية معينة وبخيارات سياسية محددة، إذ أنها لم ترْعَوِ حين لم تجد أي تفسير لإخفاقات منتخباتها، لتستنجد بنظرية المؤامرة، بغاية إقناع شعوبها بأن فشل سياساتها الكروية الوطنية نتيجة لاختياراتها السياسية الممانعة، في حين أن السبب الفعلي في نجاحات المنتخب الوطني المغربي مثلا، مرتبط باختياراته الديبلوماسية، وفي مقدمتها استئناف علاقات المغرب مع إسرائيل.
هكذا يكون إعلاميو هذه الدول، قد توصلوا إلى نظرية سياسية رياضية جديدة، مضمونها أن “التطبيع”، هذا المصطلح القديم الجديد، الذي بات يستعمل بكثرة في برامجهم وخرجاتهم الإعلامية، هو العامل الحاسم في النبوغ الكروي المغربي. هكذا في صورة فجة لتوجيه شعوب هذه الدول والتحكم فيها، وإبعادها عن طرح الأسئلة الحقيقية المتعلقة بالأسباب الفعلية وراء فشل منتخباتها في هذه البطولة الكروية العالمية، من خلال تحميل المسؤولية لعوامل خارجية.
لكنها نظرية مغلوطة، فإسرائيل نفسها لا تعيش نجاحا كرويا، بل الأكثر من ذلك هي غائبة عن مونديال 2026، ولم تشارك في هذه البطولة إلا مرة واحدة، فكيف تكون سببا في النجاحات الكروية لكل من طبّع معها؟ الغريب في الأمر، هو كيف يمكن لإنسان عاقل أن يربط بين التطبيع وبين التفوق الكروي؟
إن هذا النقاش، لا يتعلق فقط بوجود إشكال حقيقي عند نخبة هذه الدول، إشكال مرتبط بسعيها اللاعقلاني في تصدير أزمات أنظمة دولها نحو المغرب، بل إنه يتعلق بالأساس بإشكال أوسع، مرتبط بمفهوم التطبيع نفسه، هذا المفهوم الذي اقتحم القاموس السياسي العربي المعاصر منذ سبعينيات القرن الماضي، حيث جرى تحميله حمولة أخلاقية، أدى استمرار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني إلى زيادة جرعاتها، حتى ترسخت في الوعي الجمعي العربي فكرة أن إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل قبل تسوية القضية الفلسطينية هو خيانة للأمة وللقضية.
لكن، هل كل الدول التي تربطها علاقات طبيعية مع إسرائيل تقف ضد حقوق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة؟ وهل كل الدول التي لا تربطها علاقات طبيعية مع إسرائيل تناصر الشعب الفلسطيني في قضيته العادلة؟ ثم هل يمكن اعتبار المغرب دولة “مطبعة” مع إسرائيل؟ هكذا بهذا المعنى الذي يحيل عليه مفهوم التطبيع، أم أن الأمر يتعلق باستئناف للعلاقات بين الدولتين؟
للجواب على هذه الأسئلة، وجب أولا التذكير بأن مفهوم التطبيع قد ارتبط تاريخيا باتفاقيات معينة، مثل معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، ومعاهدة واد عربة بين الأردن وإسرائيل، وهي الاتفاقيات التي أبرمت بعد حروب مباشرة بين هذه الأطراف، وهو ما لا يتحقق في الحالة المغربية، حيث لم يدخل المغرب في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل، ولم تنقطع قنوات الاتصال بين الدولتين بشكل مطلق في مراحل تاريخية مختلفة، وبالتالي فإن الأمر لا يتعلق بتطبيع، بقدر ما هو متعلق باستئناف للعلاقات الرسمية.
وثانيا وجب التنبيه إلى أن هذا النقاش مرتبط بثلاث مستويات، يتعلق الأول بطبيعة العلاقات الدبلوماسية الرسمية، بينما يتعلق الثاني بطبيعة العلاقات الاقتصادية وخصوصا التجارية منها، في حين يتعلق المستوى الثالث بالمواقف تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
فالواقع الدولي بكل تعقيداته يؤكد، أن هناك دول تربطها علاقات طبيعية مع إسرائيل، لكنها لا تقف ضد حقوق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة، وتنتقد سياسات الاستيطان الإسرائيلية، كما هو حال مصر والأردن والمغرب وإسبانيا مثلا، كما توجد دول لا تربطها علاقات طبيعية مع إسرائيل لكنها لا تعرف بنشاطها في مناصرة الشعب الفلسطيني في قضيته العادلة، كما هو حال باكستان وأفغانستان، في حين توجد دول لا تربطها علاقات طبيعية مع إسرائيل وتعلن في خطابها الرسمي دعمها المبدئي للقضية الفلسطينية، لكنها ترتبط بإسرائيل بتبادلات اقتصادية غير مباشرة عبر وسطاء تجاريين دوليين، وهذا هو حال الجزائر مثلا، حيث تكشف العديد من التقارير الدولية أن الجزائر تأتي في المراتب المتقدمة الأولى في ترتيب البلدان العربية الأكثر تصديرا لإسرائيل.
عموما، إن تبسيط هذا الواقع، واختزاله في ثنائية مطبع وغير مطبع، أمر غير موضوعي، كما أنه من غير المنطقي أن تتحول الملفات الخارجية إلى مبررات لتعثر وفشل السياسات الوطنية بما فيها السياسات الرياضية.
فقوة الدول، وحضورها في المشهد الدولي العام، لا يقاس بحدة خطاباتها ولا بقوة الشعارات التي تروجها لشعوبها، بل بقدرتها على تصريف تلك الشعارات في برامج وسياسات فعالة سواء كانت سياسات داخلية أو خارجية، فشعوب معظم الدول تحتاج إلى أنظمة تجيب على انتظاراتها في جميع المجالات بما فيها المجال الكروي، أما الشعب الفلسطيني فهو يحتاج إلى من ينتصر لقضيته، ويدعمه في الدفاع عن حقوقه المشروعة في المحافل الدولية، ذلك أنه غير مهتم بطبيعة العلاقات التي تربط إسرائيل ببقية دول عالم.







