يبدو أن دخول البنوك الرقمية العالمية إلى السوق المغربية لن يتم بالسرعة التي كانت تتوقعها بعض المؤسسات المالية الدولية، بعدما أكد والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، أن الترخيص لعمل بنك “Revolut” البريطاني لا يشكل أولوية في المرحلة الراهنة، مفضلاً التركيز على ملفات تنظيمية يعتبرها أكثر إلحاحاً بالنسبة للقطاع المالي الوطني.
وبحسب تقرير نشرته مجلة “جون أفريك”، فإن موقف الجواهري لا يرتبط فقط باعتبارات تقنية أو إدارية، بل يعكس رؤية أوسع تهدف إلى حماية استقرار المنظومة البنكية المغربية قبل انتهاء ولايته على رأس البنك المركزي، بعد أكثر من عقدين من قيادته للمؤسسة.
وخلال اجتماع مجلس بنك المغرب المنعقد في 23 يونيو، أوضح الجواهري أن المؤسسة منشغلة حالياً بعدة ملفات استراتيجية، من بينها ملاءمة التشريعات المغربية مع التوجيه الأوروبي الجديد الخاص بالبنوك الأجنبية، والاستعداد لتقييم القطاع المالي بشراكة مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إضافة إلى التحضير لزيارة مجموعة العمل المالي (GAFI) المكلفة بتقييم جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
ورغم هذا التأجيل، تشير “جون أفريك” إلى أن المغرب يبقى من الأسواق التي تراهن عليها “ريفولوت” ضمن خطتها التوسعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة وجنوب إفريقيا.
وكانت الشركة البريطانية، التي تضم أكثر من 68 مليون مستخدم وتبلغ قيمتها السوقية نحو 75 مليار دولار، قد عينت ياسين فقير مديراً عاماً لعملياتها بالمغرب خلال سنة 2025، بعدما سبق لمسؤوليها عقد لقاءات مع مسؤولي بنك المغرب في يونيو 2024.
وترى المحللة المالية رانيا غنابة، وفق المصدر ذاته، أن دخول “ريفولوت” إلى السوق المغربية يظل مسألة وقت فقط، بالنظر إلى استراتيجية البنك الرامية إلى التوسع في ثلاثين سوقاً جديدة بحلول سنة 2030.
ويأتي هذا الحذر في وقت أصبح فيه القطاع البنكي المغربي شبه مغربي بالكامل، بعد استحواذ مستثمرين مغاربة على عدد من المؤسسات البنكية الأجنبية، من بينها شراء مجموعة هولماركوم لبنك BMCI، واستحواذ مولاي حفيظ العلمي على بنك “الشركة العامة”.
وتنقل “جون أفريك” عن أحد المحللين الماليين أن دخول مؤسسة أجنبية تتميز بسياسة تجارية هجومية مثل “ريفولوت” قد يشكل تحدياً للمنظمين، خاصة أن أصول القطاع المالي المغربي تمثل نحو 134 في المائة من الناتج الداخلي الخام، كما أن جزءاً كبيراً منها يرتبط بمدخرات المواطنين وتمويل الاقتصاد الوطني.
وفي المقابل، يرى محمد فخر الدين، رئيس فيدرالية القطاعات البنكية والمالية، أن تحفظ بنك المغرب يعكس نهجاً قائماً على حماية المودعين وضمان انتقال تدريجي نحو هذا النموذج البنكي الجديد، مع ضرورة توحيد الإطار التنظيمي بين مختلف المؤسسات الرقابية قبل فتح السوق أمام فاعلين دوليين.
ومن بين الأسباب التي تدفع السلطات المالية إلى التريث، تبرز أهمية تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، التي سجلت، وفق المعطيات التي أوردتها “جون أفريك” نقلاً عن مكتب الصرف، ارتفاعاً بنسبة 10 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة، لتبلغ نحو 40 مليار درهم.
وتعد هذه التحويلات مورداً استراتيجياً يفوق، خلال الفترة نفسها، مداخيل قطاعي السياحة والفوسفاط، وهو ما يجعل السلطات حريصة على عدم انتقال جزء كبير منها إلى منصات مالية أجنبية خارج المنظومة البنكية المحلية.
في المقابل، بدأت البنوك المغربية بالفعل في الاستعداد لمنافسة البنوك الرقمية العالمية، حيث أطلقت مجموعة التجاري وفا بنك بنكها الرقمي “Simple”، في خطوة تعتبرها الأوساط المالية بداية لموجة جديدة من الخدمات البنكية الرقمية محلياً.
وترى رانيا غنابة أن التأثير المحتمل لدخول “ريفولوت” سيظل في مرحلته الأولى محصوراً أساساً في خدمات تحويل الأموال والعمولات المرتبطة بعمليات الصرف، دون أن يهدد بشكل مباشر الأنشطة الأساسية للبنوك، مثل منح القروض أو جمع الودائع.
كما تشير إلى أن المؤسسات الأكثر تقدماً في مجال الرقمنة، وعلى رأسها CIH Bank وAttijariwafa Bank، تمتلك من الإمكانات ما يؤهلها للتكيف مع المنافسة الجديدة دون تأثير كبير على مردوديتها.
وتخلص “جون أفريك” إلى أن ملف البنوك الرقمية لا يمثل بالنسبة لعبد اللطيف الجواهري مجرد قضية تنظيمية، بل يشكل جزءاً من الإرث الذي يسعى إلى تركه قبل مغادرته المحتملة لمنصبه.
فمن وجهة نظر المجلة، يفضل والي بنك المغرب تأجيل دخول فاعل بحجم “ريفولوت” إلى حين استكمال الإطار القانوني والتنظيمي، وإتاحة الفرصة للبنوك المغربية لتعزيز حضورها في هذا المجال، حتى لا يجد من سيخلفه نفسه أمام تحديات تنظيمية قد تربك استقرار القطاع المالي.
وبذلك، لا يبدو أن المغرب يغلق الباب نهائياً أمام البنوك الرقمية العالمية، بل يعتمد مقاربة تقوم على فتح السوق تدريجياً، بما يوازن بين تشجيع الابتكار المالي والحفاظ على استقرار المنظومة البنكية الوطنية.







