بينما كانت المنصات الاقتصادية تحتفي بحلول المغرب في المرتبة الرابعة إفريقيا من حيث عدد المليارديرات وفق تصنيف “فوربس” لعام 2026، كان هناك مشهد آخر أكثر قتامة يتوارى خلف هذه الأرقام البراقة. فقد حجزت خمس عائلات مغربية مقاعدها ضمن أقوى مائة شركة عائلية عربية، في إنجاز سُوّق إعلاميا على أنه دليل على حيوية الاقتصاد الوطني ونجاعته.
غير أن قراءة متأنية لطبيعة هذه الثروات تكشف مفارقة لافتة؛ إذ يتصدر القائمة عثمان بنجلون، البالغ من العمر 93 عاما، فيما تعود باقي الأسماء إلى ورثة مجموعات عائلية راسخة مثل “يينا” و”هولماركوم” و”ديانا القابضة”.
وترى مصادر مطلعة تحدثت لـ”نيشان” أن هذا المشهد لا يعكس بالضرورة اقتصادا يفرز ثروات جديدة أو جيلا جديدا من رواد الأعمال المبتكرين، بقدر ما يعكس استمرار العائلات التاريخية نفسها في تدوير ثرواتها داخل بنية اقتصادية تبدو عاجزة عن إنتاج “المال الجديد” بالوتيرة التي تشهدها اقتصادات صاعدة أخرى.
وفي كواليس المال والأعمال بالدار البيضاء، لا يُنظر إلى هذا التصنيف بعين الرضا التام. فبحسب المصادر ذاتها، فإن نادي الأثرياء في المغرب ما يزال شديد الانغلاق، حيث تظل الوراثة إحدى أبرز آليات إعادة إنتاج الثروة. ووفق المعطيات المتداولة في الأوساط الاقتصادية، فإن القسم الأكبر من هذه الثروات لم يتشكل نتيجة طفرات تكنولوجية أو صناعات متقدمة ذات قيمة مضافة عالية، بقدر ما ارتبط بقطاعات تقليدية استفادت تاريخيا من امتيازات السوق ومواقع النفوذ.
وفي هذا السياق، لا يكاد يخفى على الجميع أن مجموعة “الضحى”، التي يملكها أنس الصفريوي، صهر رئيس الحكومة عزيز أخنوش، راكمت جزءا مهما من توسعها بالاستفادة من برامج دعم السكن الاجتماعي والحوافز الجبائية المرتبطة بها، فيما تواصل مجموعات أخرى، من قبيل “ديانا هولدينغ”، توسيع نشاطها الفلاحي المرتبط بالصناعات والمشروبات الكحولية على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.
وترى المصادر أن هذا النموذج يطرح أسئلة متزايدة بشأن الكلفة البيئية والاجتماعية لتراكم الثروة، خصوصا في ظل تداعيات أزمة جفاف هيكلية ما تزال تفرض قيودا متزايدة على الموارد المائية، بينما تستمر الزراعات التصديرية الكبرى في استهلاك كميات مهمة من المياه.
أما التوسع الإفريقي الذي تتباهى به هذه المجموعات، سواء عبر الاستثمارات البنكية أو الامتدادات المالية والتجارية في غرب القارة، فيُقرأ، من قبل بعض الفاعلين في القطاع المصرفي، من زاوية مختلفة عن الخطاب الرسمي الذي يقدمه باعتباره نجاحا في “غزو الأسواق”.
ووفق المصادر، فإن هذا التمدد يعزز، في بعض الأحيان، تمركز القوة المالية لدى عدد محدود من الفاعلين الاقتصاديين الكبار، ما يحد من فرص المنافسة أمام المقاولات الصغرى والمتوسطة. وتضيف المصادر ذاتها أن التحكم في دوائر التمويل والاستثمار يمنح هذه المجموعات قدرة متزايدة على توجيه الموارد نحو توسيع أنشطتها، في وقت لا يزال فيه جزء من النسيج المقاولاتي الوطني يشتكي من صعوبات الولوج إلى التمويل.
ومن هذا المنظور، ترى مصادرنا أن جزءا من الحركية الاستثمارية الخارجية التي تقودها الرساميل العائلية المغربية يعكس أيضا بحثا متواصلا عن أسواق جديدة وهوامش ربح إضافية، غير أن منتقدي هذا التوجه يعتبرون أن الأولوية كان ينبغي أن تُمنح، بشكل أكبر، لتحفيز الاستثمار المنتج داخل السوق الوطنية وتعزيز تنافسية الاقتصاد المحلي.
وفي المحصلة، يصطدم بريق تصنيفات الثروة بواقع اجتماعي معقد لا تعكسه الأرقام وحدها. ففي الوقت الذي يصعد فيه المغرب إلى مراتب متقدمة داخل نادي المليارديرات الأفارقة، لا تزال تقارير دولية متعددة تسجل استمرار تحديات بنيوية مرتبطة بالتعليم والصحة والتشغيل والتنمية المجالية.
ويؤكد فاعلون حقوقيون واجتماعيون أن النقاش الحقيقي لا يتعلق بوجود الأثرياء في حد ذاته، بل بمدى انعكاس تراكم الثروة على تحسين شروط العيش وتعزيز العدالة الاجتماعية وتوسيع فرص الارتقاء الاقتصادي أمام الفئات الصاعدة.
وبين الاحتفاء بالأرقام القياسية للثروات الخاصة وواقع المؤشرات الاجتماعية، يظل السؤال مطروحا حول طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يريده المغرب: هل هو نموذج يكتفي بحماية الثروات المتوارثة وتوسيعها، أم نموذج قادر على إنتاج فرص جديدة للثروة والابتكار والحراك الاجتماعي؟ ذلك سؤال يبدو أكثر إلحاحا من أي تصنيف دولي عابر.







