هناك قرارات حكومية تمر مرور الكرام، وأخرى تتحول إلى جزء من الحياة اليومية للمواطن، فتؤثر في نومه وعمله ودراسة أبنائه وصحته النفسية. والساعة الإضافية كانت من هذا الصنف الأخير. فمنذ فرضها بشكل دائم، لم تكن مجرد تعديل في عقارب الساعة، بل تحولت إلى رمز لسياسة عمومية افتقدت إلى التوافق المجتمعي، وظلت تثير الجدل والرفض عاماً بعد آخر.
واليوم، ومع قرار إلغاء العمل بالساعة الإضافية، يعود النقاش من جديد. لكن السؤال الحقيقي ليس: من اقترح الإلغاء؟ ولا من سيحاول استثماره سياسياً؟ بل لماذا احتاجت الحكومة إلى كل هذه السنوات لتراجع قرار رفضه جزء كبير من المغاربة منذ اليوم الأول؟
لقد كانت الحكومات المتعاقبة تؤكد أن اعتماد الساعة الإضافية يحقق مكاسب اقتصادية، ويسهل التعامل مع الشركاء الأوروبيين، ويحسن مردودية الإدارة والاقتصاد. غير أن هذه المبررات ظلت عامة، ولم تُرفق يوماً بأرقام دقيقة أو تقارير مستقلة تقنع الرأي العام بأن المكاسب المحققة تفوق الكلفة الاجتماعية التي تحملها المواطن.
في المقابل، كانت الوقائع اليومية أكثر وضوحاً من كل البلاغات الرسمية. آلاف الأطفال يغادرون منازلهم قبل طلوع الشمس، وأسر تعيش اضطراباً يومياً في تنظيم حياتها، وشكاوى متكررة من اضطرابات النوم والإجهاد، إضافة إلى انتقادات متواصلة من فاعلين في قطاعي التعليم والصحة. ورغم ذلك، ظل القرار قائماً، وكأن رفض المواطنين لم يكن كافياً لإعادة تقييمه.
والأهم من ذلك أن المكاسب الاقتصادية التي قيل إن الساعة الإضافية ستجلبها لم تظهر بالشكل الذي وعدت به الحكومات. فالاقتصاد المغربي لم يشهد طفرة يمكن ربطها بهذا القرار، والقدرة الشرائية للمواطنين واصلت التراجع، والبطالة ارتفعت، بينما ظلت الأسر تتحمل وحدها تبعات نظام زمني لم تقتنع بجدواه.
من هنا، فإن قرار إلغاء الساعة الإضافية ينبغي أن يُستقبل باعتباره تصحيحاً لسياسة أثبتت السنوات أنها لم تحقق الإجماع، وليس باعتباره منّة من أحد أو انتصاراً سياسياً لطرف على آخر.
غير أن توقيت هذا التراجع يفرض بدوره تساؤلات مشروعة. فنحن على بعد أشهر قليلة من الاستحقاقات الانتخابية، وهي مرحلة اعتاد فيها المشهد السياسي المغربي أن يشهد زخماً في الوعود والقرارات الاجتماعية، بعد سنوات من الجمود أو التجاهل. لذلك، فمن الطبيعي أن يربط كثير من المواطنين بين أي قرار شعبي وبين اقتراب موعد الانتخابات.
ولا يقتصر الأمر على الحكومة وحدها، بل يشمل أيضاً المعارضة التي ستسعى إلى تقديم نفسها باعتبارها صاحبة الفضل في أي تراجع أو إصلاح. وبين هذا وذاك، يبقى المواطن هو الطرف الأكثر وعياً بأن الصراع الحقيقي ليس حول خدمة مصالحه، بل حول كسب صوته في صناديق الاقتراع.
لكن، هل يكفي إلغاء الساعة الإضافية لإقناع المغاربة بأن السياسات العمومية تغيرت؟ الجواب، بكل تأكيد، هو لا.
فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بقرار واحد، مهما كانت أهميته، وإنما يقاس بمنهجية اتخاذ القرار. والمغرب في حاجة اليوم إلى أن تعتمد الحكومة مقاربة تقوم على الدراسات العلمية، والحوار المجتمعي، وتقييم الأثر قبل التنفيذ وبعده، لا أن تتحول القرارات إلى إجراءات فوقية يُطلب من المواطنين فقط التكيف معها.
كما أن من الضروري إرساء آلية مؤسساتية لتقييم القرارات الكبرى التي تمس الحياة اليومية للمغاربة، وإلزام الحكومة بنشر نتائج هذا التقييم بكل شفافية. فليس من المنطقي أن يستمر تطبيق سياسة سنوات طويلة دون معرفة إن كانت قد حققت أهدافها فعلاً أم لا.
وفي المقابل، تقع مسؤولية لا تقل أهمية على المواطن. فالانتخابات المقبلة ينبغي ألا تتحول إلى مناسبة لمكافأة من تراجع عن أخطائه في الأشهر الأخيرة، بل إلى فرصة لمحاسبة كل الفاعلين السياسيين على حصيلة خمس سنوات كاملة. لأن الديمقراطية لا تقوم على الذاكرة القصيرة، وإنما على ربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن إلغاء الساعة الإضافية سيكون خطوة إيجابية بلا شك، لكنه لن يكون سوى بداية متأخرة لتصحيح خطأ استمر سنوات. أما التحدي الأكبر، فهو أن تلتزم الحكومة بجعل القرار العمومي خاضعاً للمصلحة العامة، لا للحسابات الانتخابية، وأن تتم مراجعة السياسات عندما تثبت محدودية نجاعتها، لا عندما تفرضها صناديق الاقتراع.
فالمغاربة اليوم أكثر وعياً من أي وقت مضى، وأكثر قدرة على التمييز بين الإصلاح الذي يُولد من قناعة، والإصلاح الذي يُولد من الحاجة إلى الأصوات. ولذلك، فإن ما سيصدر خلال الأشهر المقبلة من قرارات ووعود ومبادرات، سواء من الحكومة أو من المعارضة، سيظل محكوماً بسؤال واحد: هل كان هذا القرار سيُتخذ لو لم تكن الانتخابات على الأبواب؟
إن الجواب عن هذا السؤال هو الذي سيحدد مدى ثقة المواطنين في الطبقة السياسية، لأن ما يحتاجه المغرب ليس موسماً انتخابياً مليئاً بالهدايا، بل حكومة تتخذ قراراتها في الوقت المناسب، وتراجع أخطاءها عندما تقتنع بأنها أخطاء، لا عندما تفرضها صناديق الاقتراع.







