ليس أخطر على السياسة من أن تتحول صناديق الاقتراع إلى قاعات انتظار للمحاكم. ففي خريف 2021، خرجت الأحزاب إلى المغاربة وهي تبيعهم وعدا كبيرا “محاربة الفساد، تخليق الحياة العامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة”. امتلأت الشوارع بصور المرشحين، وامتلأت الخطب بكلمات من قبيل النزاهة والكفاءة والتغيير. بعد خمس سنوات فقط، صار المشهد يُقرأ من الجهة المقابلة؛ قضاة ينطقون بأحكام ثقيلة، وسجون تستقبل أسماء كانت، إلى وقت قريب، تتصدر واجهات الحملات الانتخابية.
ثلاثة عشر عاما سجنا نافذا في حق محمد مبديع، وعشر سنوات لسعيد الناصري، واثنتا عشرة سنة لعبد النبي بعيوي، وقبلهم وبعدهم الفايق، وبودريقة، وغيرهم ممن صنعتهم الأحزاب وقدمتهم للرأي العام باعتبارهم نخبة المرحلة. ليست القضية في سقوط أشخاص، فكل متهم بريء حتى يقول القضاء كلمته، وكل مسؤول معرض للخطأ والانحراف. القضية أن هذا العدد من الأسماء، وهذا الوزن الانتخابي والسياسي، لا يمكن أن يكون مجرد صدفة. عندما يتكرر المشهد بهذا الإيقاع، فإن المشكلة لا تعود في الأشخاص، بل في المصنع الذي ينتجهم.
لقد تخلت الأحزاب، منذ سنوات، عن وظيفة التأطير لصالح وظيفة التسويق. لم تعد تبحث عن رجال دولة، بل عن رجال أصوات. لم تعد تسأل المرشح “ماذا تحمل من مشروع؟” بل ماذا تحمل من نفوذ؟ كم تملك من شبكة انتخابية؟ وكم تستطيع أن تضيف إلى الرصيد العددي يوم الاقتراع؟ هكذا تحولت التزكية الحزبية من شهادة كفاءة سياسية إلى استثمار انتخابي، وأصبح المال، أو الجاه، أو الشهرة الرياضية، أسرع طريق إلى البرلمان والجماعات الترابية، حتى ولو كانت الذمة العمومية مثقلة بالأسئلة والشبهات.
الأخطر من كل ذلك أن أحدا لم يشعر بواجب الاعتذار. لم يقف زعيم حزب أمام المغاربة ليقول: أخطأنا حين منحنا التزكية لهذا أو لذاك. لم تفتح الأحزاب تحقيقًا سياسيًا في معايير الاختيار، ولم نسمع عن مراجعة حقيقية لآليات الانتقاء. وكأن الأحكام القضائية تخص أفرادًا هبطوا من السماء، لا مرشحين صنعتهم الأجهزة الحزبية، ودافعت عنهم في الحملات، وطلبت من المواطنين أن يضعوا ثقتهم فيهم.
واليوم، ونحن على أبواب استحقاقات جديدة، تعود الآلة نفسها إلى الدوران. الوجوه نفسها، والأساليب نفسها، والخطابات نفسها، وكأن شيئًا لم يقع. وحده المواطن يُطلب منه، مرة أخرى، أن يصدق أن التغيير هذه المرة سيكون مختلفًا. لكن كيف يثق الناخب في خطاب سياسي لم يجرؤ أصحابه حتى على مراجعة أخطاء الأمس؟ وكيف يقتنع بأن من فشل في اختيار مرشحيه، سينجح غدًا في تدبير الدولة؟
إن الأحكام الأخيرة ليست مجرد نهاية لمسارات أفراد؛ إنها شهادة إدانة لطريقة كاملة في إنتاج النخب. وإذا لم تتحول إلى لحظة مراجعة مؤلمة داخل الأحزاب، فإن صناديق الاقتراع لن تكون سوى مصنع جديد لإعادة تدوير الأزمة. وعندها لن يكون السؤال: من هو “إسكوبار” المقبل؟ بل أي حزب سيكون أول من يقدمه للمغاربة في ثوب رجل دولة، قبل أن يقدمه القضاء، بعد سنوات، في ثوب متهم.







