العودة إلى توقيت غرينتش، لم يكن قرارا عابرا، ولا مجرد استجابة تقنية لمطالب مواطنين أرهقتهم الساعة الإضافية طيلة سنوات. عندما وقف رئيس الحكومة عزيز أخنوش، أمس الخميس 25 يونيو 2026، ليعلن إلغاء العمل بالساعة الإضافية والعودة النهائية إلى التوقيت القانوني، ابتداء من نهاية الصيف، كان يؤكد حقيقة سياسية أعمق، أنه هو مول الوقت وهو اللي بغاتو الوقت! وهل هناك إشارة ورمزية أكبر من رمزية منح قرار الزمن للسيد عزيز المغرب؟!
تبين أن الرجل هو الذي يمسك بمفاتيح التوقيت اليومي للمغاربة، لأنه على ما يبدو هو نفسه الذي يتحكم في توقيت الأسواق وفي توقيت القرارات الكبرى التي تمس معيشة الناس، إنه صاحب الزمان المغربي ارجعنا إلى ساعة الماضي بسرعة، فأي آلة للعودة في الزمن هاته؟!
هكذا يدير “مول الوقت” الزمن، لا يتركه يفلت من يده، ولا يترك الآخرين يحددون له إيقاعه ومواعيده الكبرى.
ويا لعظمة القضاء والقدر، ففي اللحظة نفسها التي يثبت فيها أخنوش أنه “صاحب الزمان” في ضبط الساعة وفي التحكم في توقيت الإصلاحات الاقتصادية التي يقال عنها أنها تحمي توازنات السوق، جاء حكم القضاء أمس ليضع النقاط على الحروف في مشهد سياسي آخر. أحكام ثقيلة بلغ مجموعها 160 سنة سجنا نافذا في حق شبكة المافيا في قضية “إسكوبار الصحراء”، أحكام عرت حزبا بأكمله، وهو حزب الأصالة والمعاصرة، وكشفت حجم التغلغل والمصالح المشبوهة التي كانت تدار تحت غطاء سياسي، فهل يتوفر هذا الحزب على واجبات الطهارة الشرعية، والنية الحسنة وبالتالي تلبية أركان فريضة قيادة حكومة المملكة المغربية الشريفة حتى لو جاؤوا بإمام جديد/قديم اسمه لقجع هو أيضا يقال عنه ما يقال؟!
وبينما ينهمك البعض في ترتيب أوراقهم الانتخابية لاستحقاقات شتنبر 2026، يلوح الفرق مشعا أمام أعين المغاربة. فريق سياسي يملك الوقت ويصنع القرار ويبرمج سلوك السوق، وفريق آخر تهاوت صوامعه وبعثرت بعض صفوفه أمام اختبار القضاء، فأصبح أسير فضائحه وارتباطاته، وما خفي أعظم!
أخنوش مول الوقت ليس شعارا، بل واقع يفرض نفسه. هو الذي أذن له لإعلان إعادة ضبط ساعة البلاد، وهو الذي يساهم بأيديه الخفية في ضبط إيقاع الاقتصاد في زمن التقلبات العالمية، وهو الذي يقدم للمواطنين دليلا ملموسا على أن القيادة السياسية الرشيدة هي التي تملك القدرة على التحكم في الزمن لا أن تتركه يتحكم فيها!
مع اقتراب الانتخابات التشريعية، يبدو المشهد أكثر وضوحا من أي وقت مضى. الشارع المغربي، الذي عانى طويلا من اضطراب الساعة ومن وعود لم تنجز، يتجه اليوم نحو فرض خيار الاستمرارية على نفس النهج السياسي. خيار الرجل الذي أثبت أنه صاحب الوقت في كل الميادين، في الساعة، في السوق، وفي القرار السياسي أيضا، مما قد يشكل خطرا حقيقيا على الاستقرار العام وعلى القدرة الشرائية للمغاربة.
المغرب لا يحتاج إلى من يضيع الوقت في الدفاع عن نفسه أمام القضاء، بل إلى من يستثمر الوقت في بناء المستقبل. وأخنوش، بقراره هذا، يؤكد مرة أخرى أنه مول الوقت، وأن الذين يريدون المجيء بوجه جديد، اسمه فوزي لقجع، لتمثيل بنية عتيقة شبه مفلسة سياسيا، إنما يضيعون وقتهم أمام جبروت أخنوش، لأن فوزي لقجع وإلياس العماري وغيرهما، ما هما إلا وجوه لنفس العملة، وقد يكون تواجدهما في الفعل السياسي خطر أكبر على منافذ الدولة، الشيء الذي جعلها تتحالف مع المجتمع لإسقاط زمن العماري بعد هزيمته سنة 2016 أمام البيجيدي، واليوم لنا في حكم أمس، بمناسبة محاكمة تتجاوز الأشخاص، بل هي محاكمة لزمن سابق للعماري ولصديقه لقجع، عبرة لمن يريد أن يعتبر!







