بعد أن ظل مطلب إحداث إطار مؤسساتي موحد يُعنى بحماية الطفولة مطروحا لسنوات، في ظل تعدد المتدخلين وتشتت المسؤوليات وضعف التنسيق، دخل مشروع قانون رقم 29.24 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لحماية الطفولة مسطرة النقاش البرلماني، باعتباره محاولة لإعادة تنظيم هذا المجال ووضع أسس قانونية جديدة للتكفل بالأطفال في وضعيات هشاشة أو نزاع مع القانون.
وتنص تفاصيل المشروع، الذي اطلع موقع نيشان على مضامينه، على إحداث مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي، تحمل اسم “الوكالة الوطنية لحماية الطفولة”، يُحدد مقرها بالرباط، مع إمكانية إحداث تمثيليات ترابية بقرار من مجلس إدارتها، على أن تخضع لوصاية الدولة ولمراقبتها المالية وفق النصوص الجاري بها العمل.
وجرى تقديم المشروع، في التاسع من دجنبر الجاري، من طرف وزير العدل عبد اللطيف وهبي، خلال اجتماع لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، بعد إحالته من مجلس المستشارين، حيث أكد الوزير أن النص التشريعي الجديد يروم معالجة أوجه القصور التي تعانيها منظومة الحماية المؤسساتية للطفولة، خاصة ما يتعلق بتعدد المتدخلين، وضعف الالتقائية، وغياب إطار قانوني خاص بحماية الطفولة، فضلا عن الإكراهات المرتبطة بالتدبير وبنيات الاستقبال والموارد البشرية.
ويُنيط المشروع بالوكالة الوطنية مهمة تنفيذ سياسة الدولة في مجال حماية الطفولة والنهوض بها، مع تكليفها بوضع وتنفيذ برامج مندمجة للتكفل بالأطفال المودعين بمراكز حماية الطفولة، وتأهيلهم وإعادة إدماجهم في محيطهم العائلي والاجتماعي والاقتصادي، إضافة إلى تتبع أوضاعهم بعد مغادرتهم هذه المراكز، في إطار مشاريع شخصية أو مهنية.
كما يخول النص للوكالة الإشراف على مراكز حماية الطفولة وتتبع وتقييم ظروف التكفل بالنزلاء، إلى جانب تتبع تنفيذ التدابير والمقررات القضائية المتعلقة بإيداع الأطفال، والترخيص لمؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالأطفال، مع مراقبة مدى احترامها لأحكام القانون والنصوص التنظيمية المتخذة لتطبيقه.
ومن بين المستجدات التي جاء بها المشروع إحداث سجل إلكتروني مركزي تُدوَّن فيه المعطيات الخاصة بنزلاء مراكز حماية الطفولة والأطفال المستفيدين من خدمات مؤسسات الرعاية الاجتماعية، ويوضع رهن إشارة السلطات القضائية والإدارية المختصة، وفق الضوابط التي يحددها التشريع المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي.
وعلى مستوى الحكامة، ينص المشروع على إحداث مجلس لإدارة الوكالة، يترأسه رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية المفوضة من لدنه، ويضم في تركيبته قضاة مختصين في قضايا الأحداث، وممثلين عن قطاعات حكومية وجمعيات معنية بحماية الطفولة، إلى جانب أعضاء مستقلين مشهود لهم بالكفاءة والخبرة، مع إسناد مهمة التسيير اليومي لمدير عام يُعيَّن وفق التشريع الجاري به العمل.
كما يفصل المشروع في تنظيم مراكز حماية الطفولة، مميزا بين مراكز ذات نظام محروس تستقبل الأطفال في نزاع مع القانون، ومراكز ذات نظام مفتوح تُعنى بالأطفال ضحايا الجرائم أو في وضعية صعبة أو الأطفال المهملين، مع التأكيد على أن الغاية من كل تدبير متخذ في حق الطفل يجب أن تكون حماية مصلحته الفضلى، وضمان كرامته وسلامته الجسدية والنفسية واحترام خصوصيته.
ويضع النص إطارا دقيقا لظروف الإيواء، والتغذية، والرعاية الصحية، والتمدرس، والتكوين المهني، والأنشطة الثقافية والرياضية، مع التشديد على حظر كل أشكال العنف داخل المراكز، وترتيب المسؤوليات التأديبية والجنائية في حالات الإهمال أو التقصير، إلى جانب ضمان حق الأطفال في التواصل مع أسرهم وتقديم التظلمات والشكايات.
ويُرتقب أن يفتح مشروع القانون نقاشا موسعا داخل المؤسسة التشريعية حول مدى قدرته على تجاوز أعطاب منظومة حماية الطفولة، وترجمة مقتضياته القانونية إلى حماية فعلية على أرض الواقع، في ظل الإكراهات البنيوية والموارد المحدودة التي يواجهها القطاع.







