في وقت تتصاعد فيه التحذيرات من خصاص حاد في الموارد البشرية داخل المستشفيات العمومية، فجّرت مباريات التوظيف الجهوية الأخيرة بقطاع الصحة جدلاً جديداً، بعد إقصاء خريجي تخصص “تقني في تعقيم ومعالجة المعدات الطبية” من اجتياز مباريات بجهة الدار البيضاء–سطات، رغم الارتباط العضوي لهذا التخصص بسير العمل اليومي داخل المركبات الجراحية ومختلف المصالح الاستشفائية الحساسة.
وحسبما أكدته مصادر متطابقة، تفاجأ عدد من خريجي معاهد التكوين في مهن الصحة والعمل الاجتماعي بإقصاء تخصصهم من لائحة الشهادات المقبولة لاجتياز المباريات، في وقت تعرف فيه المؤسسات الصحية ضغطاً متزايداً، وتُسجَّل فيه اختلالات مزمنة على مستوى تدبير الموارد البشرية، سواء من حيث التوزيع المجالي أو من حيث الملاءمة بين التكوين والحاجيات الواقعية للمستشفيات.
واعتبرت مصادر مهنية أن هذا الإقصاء يفتقر إلى منطق واضح، خاصة وأن مهام تعقيم ومعالجة المعدات الطبية تشكل حلقة أساسية في سلسلة السلامة الصحية، وترتبط مباشرة بمحاربة العدوى الاستشفائية وضمان جودة الخدمات داخل المستشفيات العمومية.
وأضافت المصادر ذاتها أن استبعاد هذا التخصص يثير تساؤلات حول المعايير المعتمدة في تحديد التخصصات المؤهلة للتوظيف، ويضع علامات استفهام حول انسجام القرارات الإدارية مع الخطاب الرسمي الداعي إلى إصلاح المنظومة الصحية وتعزيز نجاعتها.
وفي هذا السياق، عبّرت تنسيقية خريجي ومتدربي معاهد التكوين في مهن الصحة والعمل الاجتماعي عن استيائها مما اعتبرته إقصاءً غير مبرر، مؤكدة أن خريجي هذا التخصص خضعوا لتكوين نظري وتطبيقي متكامل يؤهلهم للاشتغال داخل المؤسسات الصحية العمومية، خاصة في ما يتعلق باحترام بروتوكولات السلامة الصحية والوقاية من الأخطار المهنية والبيولوجية.
وأشارت التنسيقية، في بيان استنكاري، إلى وجود تناقض صارخ بين طبيعة التكوين ومضمون المناصب المفتوحة، محذّرة من تكرار السيناريو نفسه في مباريات مقبلة، من بينها مباريات مرتقبة بجهة الشرق تشمل تخصصات قريبة من المجال نفسه.
ويأتي هذا التطور في سياق عام يتسم بمفارقة لافتة داخل القطاع الصحي، حيث يقابل الخصاص المعلن في الموارد البشرية بطالة متزايدة في صفوف خريجي التمريض وتقنيي الصحة. وكان وزير الصحة والحماية الاجتماعية قد أكد، في تصريحات سابقة، أن البرنامج الوطني يروم الرفع من عدد مهنيي الصحة من 17,4 لكل عشرة آلاف نسمة سنة 2022 إلى 45 في أفق 2030، تماشياً مع معايير منظمة الصحة العالمية، مبرزاً أن عدد المناصب المالية المخصصة للأطر الصحية ارتفع من 4000 منصب سنة 2019 إلى 6500 منصب سنة 2025، خُصص 60 في المائة منها للممرضين وتقنيي الصحة.
غير أن مهنيين ونقابيين يرون أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، لا تنعكس دائماً بشكل عادل على أرض الواقع، بسبب ما يصفونه بغياب رؤية استراتيجية شمولية لتدبير الموارد البشرية، واعتماد مقاربات انتقائية في فتح المباريات، تؤدي إلى تشغيل تخصصات وإقصاء أخرى، دون توضيح الخلفيات أو تقديم مبررات موضوعية، رغم الحاجة الفعلية إليها داخل المنظومة الصحية.
وتعتبر تنسيقية خريجي ومتدربي معاهد التكوين في مهن الصحة والعمل الاجتماعي أن استمرار هذا الوضع من شأنه تعميق الإحباط في صفوف الخريجين، ودفع الكفاءات الشابة إلى البحث عن فرص خارج القطاع أو خارج البلاد، في وقت يُفترض فيه أن يشكل إصلاح الصحة العمومية أولوية وطنية مرتبطة بورش تعميم الحماية الاجتماعية وضمان الحق في العلاج.
وأكدت التنسيقية تمسكها بالدفاع عن حق خريجي المعاهد في الولوج العادل للوظيفة العمومية، داعية إلى مراجعة شروط الترشح بما ينسجم مع طبيعة التكوين، ومشددة على أن أي استمرار في الإقصاء دون سند قانوني واضح سيقابل بخطوات نضالية قانونية ومشروعة دفاعاً عن الشغل والكرامة المهنية.







