تحوّلت صورة رجل فرنسي عاش لعقود في مدينة خنيفرة، وسط المغرب، من “معلّم متفانٍ” وفاعل اجتماعي محلي إلى متهم في واحدة من أخطر قضايا الاعتداء الجنسي على قاصرين، بعدما أعلنت النيابة العامة في مدينة غرونوبل الفرنسية فتح تحقيق رسمي بحقه بتهم اغتصاب واعتداء جنسي على 89 فتى، على مدى أكثر من خمسين عاماً وفي عدة دول، وفق ما أوردته وكالة “أسوشييتد برس” (AP).
من “مسيو جاك” إلى متهم خلف القضبان
بحسب تقرير “أسوشييتد برس» (19 فبراير 2026)، كان جاك لوفوغل، البالغ من العمر 79 عاماً، شخصية مألوفة في خنيفرة. عُرف في حي “اللسيري” الشعبي بأنه الرجل الفرنسي النحيف الذي يكنس الشوارع فجراً، ويقدّم دروساً مجانية في اللغات، وينظم رحلات مدرسية للأطفال.
كان يتقن العربية الفصحى والدارجة المغربية، إضافة إلى الأمازيغية (تاشلحيت)، ما ساعده – وفق شهادات جيران نقلتها الوكالة – على الاندماج في المجتمع المحلي. افتتح مكتبة صغيرة للأطفال، وكان يتنقل بدراجته الهوائية إلى السوق، ويُنظر إليه كشخص متواضع ومحب للأطفال.
غير أن النيابة العامة الفرنسية أعلنت الأسبوع الماضي أنه رهن الاعتقال والتحقيق الرسمي، بعد الاشتباه في ارتكابه اعتداءات جنسية طالت 89 قاصراً تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً، في فرنسا وشمال إفريقيا، خلال الفترة الممتدة لأكثر من خمسة عقود، وفق المصدر ذاته.
كما كشفت النيابة، بحسب «AP»، أن لوفوغل أقرّ بخنق والدته خلال المرحلة الأخيرة من إصابتها بالسرطان، ثم لاحقاً قتل عمته البالغة 92 عاماً.
اكتشاف صادم عبر “مذكرات رقمية”
القضية انكشفت، وفق ما نقلته «أسوشييتد برس» عن المدعي العام في غرونوبل إتيان مانتو، بعدما عثر أحد أقاربه على مذكراته الرقمية المخزنة على ذاكرة USB، والتي ضمّت 15 مجلداً إلكترونياً، قبل أن يسلمها للسلطات.
ومن خلال فحص هذه الوثائق، تمكن المحققون من تحديد 89 ضحية حتى الآن، مع الاشتباه بوجود ضحايا إضافيين. وأصدرت السلطات الفرنسية نداءً دولياً للشهود، في وقت يُتوقع أن يتوجه محققون فرنسيون إلى المغرب لجمع معطيات إضافية، بحسب ما أكده المدعي العام لـ»AP».
صدمة في خنيفرة
في المغرب، حيث أقام لوفوغل حتى توقيفه عام 2024، يُشتبه في اعتدائه على أكثر من عشرة قاصرين على الأقل، وفق المدعي العام الفرنسي، كما يُشتبه في تورطه في اعتداءات خلال فترة عمله أستاذاً للغات الأجنبية في الجزائر خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.
وأثارت المعطيات الجديدة صدمة واسعة في خنيفرة. ونقلت «أسوشييتد برس» عن سكان الحي شعورهم بـ“العار والإهانة”، مؤكدين أنهم لم يساورهم شك في سلوك الرجل، الذي كان يساعد في مشاريع محلية، ويوفر مساعدات مالية لبعض الأسر، بل ويساهم في تسهيل فرص الهجرة إلى أوروبا.
كما أشار بعض الجيران إلى واقعة سابقة اصطحب فيها أطفالاً إلى بحيرة “أگلمام أزگزا” المعروفة في المنطقة، وطلب منهم السباحة عراة، بزعم أن ذلك “صحي”، وهو سلوك يتعارض مع الأعراف الثقافية والدينية المحلية.
ووفق مسؤولين مغربيين نقلت عنهم «AP»، فإن لوفوغل كان حاصلاً على إقامة قانونية في المملكة، ولم تُسجل ضده شكاوى جنائية معروفة خلال إقامته. وأوضح المصدران – اللذان لم يُسمح لهما بالتصريح العلني – أن المعطيات المتداولة حالياً مصدرها التحقيقات الفرنسية.
“نمط عالمي” في استدراج الضحايا
رئيسة جمعية “ما تقيش ولدي” المغربية، نجاة أنوار، وصفت القضية بأنها “بالغة الخطورة”، مؤكدة استعداد الجمعية للانضمام إلى الملف كطرف مدني إذا تقدم ضحايا أو شهود مغاربة، وفق ما أوردته «أسوشييتد برس».
وأضافت أنوار أن الملف يعكس نمطاً معروفاً عالمياً، حيث “يقدّم الجناة أنفسهم من خلال أنشطة تعليمية أو ثقافية، ويحرصون على بناء صورة محترمة، مستفيدين من المكانة الاجتماعية أو الثقافية لكسب الثقة، ثم يستهدفون أطفالاً في وضعيات هشاشة عاطفية أو اجتماعية”.
تحقيقات مستمرة وأسئلة مفتوحة
وتشير المعطيات إلى أن بعض الضحايا في المغرب يعود تاريخ الاعتداء عليهم إلى عام 1974 على الأقل. كما لم يتضح بعد ما إذا كانت السلطات الجزائرية فتحت تحقيقاً موازياً، رغم الاشتباه بوقوع اعتداءات خلال فترة عمله هناك.
القضية، كما وصفتها «أسوشييتد برس»، هزّت مجتمعاً بأكمله في خنيفرة، حيث كان الرجل يُنظر إليه كفاعل خير ومربٍّ متفانٍ. وبين صورة “المعلم المحبوب” والاتهامات الثقيلة التي يواجهها اليوم، تظل التحقيقات الجارية في فرنسا مفتوحة على مزيد من التطورات، مع احتمال ظهور ضحايا إضافيين في دول عدة.







