رغم منع القوانين الجاري بها العمل استعمال الدراجات ثلاثية العجلات “التريبورتور” في نقل الأشخاص وحصرها حصريا في نقل البضائع والسلع، تواصل هذه المركبات تمددها بشكل لافت بعدد من أحياء مدينة سلا، لا سيما بقطاعي العيايدة وعامر الجنوبية، بعدما تحولت من وسيلة نفعية مخصصة لنقل السلع إلى شبكة نقل موازية وغير نظامية للأشخاص، تنقل يوميا المئات من المواطنين في ظروف تفتقر إلى أبسط شروط السلامة، وعلى مرأى من السلطات المكلفة بإنفاذ القانون.
ولا يتعلق الأمر بحالات معزولة أو بممارسات ظرفية، بل بواقع ميداني مستمر فرض نفسه منذ سنوات، حيث أضحت هذه المركبات تؤمن رحلات يومية لنقل النساء والأطفال وكبار السن والعمال والتلاميذ بين الأحياء والتجمعات السكنية، بل إن بعضها أصبح ينافس وسائل النقل العمومي في خطوط غير معلنة، في مشهد يكشف حجم الهوة بين المقتضيات القانونية والواقع الذي تشهده عدد من المناطق بمدينة سلا.
وتكتسي هذه الظاهرة خطورة خاصة بالنظر إلى أن القانون لا يجيز استعمال “التريبورتور” لنقل الأشخاص، وهو ما سبق أن أكدته وزارة النقل واللوجستيك في أكثر من مناسبة، كما شددت الحكومة، في أجوبة برلمانية سابقة، على أن نقل الأشخاص بواسطة هذه المركبات يشكل مخالفة صريحة للقوانين الجاري بها العمل تستوجب تطبيق العقوبات القانونية المقررة في حق المخالفين. غير أن ما يجري على أرض الواقع يوحي بأن هذه المقتضيات القانونية لم تتجاوز، إلى حدود الساعة، حدود النصوص والتصريحات الرسمية.
والأكثر إثارة للتساؤل أن الحملات الزجرية التي تباشرها السلطات المختصة بين الفينة والأخرى لا تلبث أن تنتهي حتى تستعيد هذه المركبات نشاطها المعتاد، وهو ما حولها عمليا إلى أحد أبرز مظاهر النقل غير النظامي بالمدينة، وأفرز حالة من التعايش مع وضع غير قانوني أصبح يفرض نفسه يوما بعد آخر.
ولا يقف الأمر عند حدود مخالفة القانون، بل يتعلق أيضا بسلامة مستعملي الطريق، إذ غالبا ما يتم نقل الركاب في مركبات غير مجهزة أصلا لهذا الغرض ودون توفرها على الحد الأدنى من شروط السلامة المفروضة في وسائل نقل الأشخاص، فضلا عن تسجيل مظاهر متكررة للاكتظاظ والسياقة المتهورة والسير في محاور طرقية تعرف كثافة مرورية مهمة، بما يضاعف من مخاطر وقوع حوادث قد تكون عواقبها جسيمة.
ويضع استمرار هذه الظاهرة بمدينة سلا أكثر من جهة أمام مسؤولياتها؛ فمن جهة، تطرح أسئلة ملحة حول مدى نجاعة المراقبة وتفعيل المقتضيات القانونية الجاري بها العمل، ومن جهة أخرى تكشف حجم الخصاص الذي لا تزال تعرفه بعض الأحياء على مستوى خدمات النقل العمومي، بما يدفع المواطنين إلى الارتماء في أحضان وسائل نقل يمنعها القانون أصلا من نقلهم.
وبين نصوص قانونية واضحة، وأجوبة حكومية حاسمة، وواقع ميداني لا يزال يكرس تحوّل “التريبورتور” إلى وسيلة نقل موازية للأشخاص، يفرض التساؤل نفسه، حول أسباب استمرار هذه الظاهرة بمدينة سلا، ومن يتحمل مسؤولية تحول مركبات مخصصة لنقل البضائع إلى بديل فعلي للنقل العمومي بعدد من أحيائها.







