مقدمة
جاء في المادة 13 من قانون المحاماة 66.23 الذي صادق عليه البرلمان المغربي ما يلي: “يعفى من الحصول على شهادة الكفاءة لممارسة مهنة المحاماة ومن التمرين المنصوص عليه في المادة 7 أعلاه، مع قضاء سنة واحدة من التمرين بمكتب محام يعينه النقيب:
1- الأساتذة الباحثون بالتعليم العالي….
2- موظفو هيئة كتابة الضبط المنتمون إلى إطار المنتدبين القضائيين من الدرجة الأولى على الأقل، الحاصلون على شهادة الماستر أو الماستر المتخصص في القانون أو الشريعة أو ما يعادلها، والذين أمضوا خمس عشرة (15) سنة من الأقدمية في الإدارة، بعد قبول استقالتهم أو إحالتهم إلى التقاعد، ما لم يكن ذلك لسبب تأديبي. ويجب عليهم اجتياز اختبار للتقييم قبل البت في طلباتهم، تحدد كيفيات تنظيمه وإجرائه بمقتضى قرار لوزير العدل.”
وقد أثار إدراج موظفي كتابة الضبط ضمن خانة المعفيين من الحصول على شهادة الكفاءة واختصار فترة التكوين في سنة واحدة، بعد الملاحظات الصادرة عن عدد من المهنيين ومن الباحثين، مما يستوجب التفاعل معه في إطار النقاش العمومي بشأن هذا القانون المهم.
ومما يدعم توجه إدماج هذه الفئة من الموظفين في بعض المهن القضائية، هو أن المشرع المغربي سبق له أن أقر آليات للحركية البيمهنية بين بعض المهن المنظمة، انسجاما مع متطلبات تطوير المنظومة القانونية وتعزيز المنافسة. فقد نص القانون المنظم لمهنة المفوضين القضائيين على إعفاء موظفي هيئة كتابة الضبط، الحاصلين على الإجازة في العلوم القانونية والذين زاولوا مهامهم لمدة لا تقل عن عشر سنوات، من اجتياز مباراة الولوج إلى المهنة، وذلك في حدود نسبة معينة من المناصب. كما أجاز القانون المنظم لمهنة التوثيق، للولوج إلى المهنة بدون مباراة، للمحافظين على الأملاك العقارية الحاصلين على الإجازة في الحقوق والذين زاولوا مهامهم بهذه الصفة لمدة لا تقل عن عشر سنوات، بعد إحالتهم على التقاعد أو قبول استقالتهم ما لم يكن ذلك لسبب تأديبي، مفتشو إدارة الضرائب المكلفون بالتسجيل الحاصلون على الإجازة في الحقوق والذين زاولوا مهامه بهذه الصفة لمدة لا تقل عن عشر سنوات بعد إحالتهم على التقاعد أو قبول استقالتهم ما لم يكن ذلك لسبب تأديبي، قدماء القضاة من الدرجة الأولى على الأقل الحاصلون على الإجازة في الحقوق بعد إحالتهم على التقاعد أو قبول استقالتهم ما لم يكن ذلك لسبب تأديبي، قدماء المحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض الحاصلون على الإجازة في الحقوق بعد قبول استقالتهم، أساتذة التعليم العالي الحاصلون على شهادة الدكتوراه في الحقوق والذين مارسوا بهذه الصفة لمدة لا تقل عن خمسة عشرة سنة.
تندرج هذه المقتضيات في إطار ما يُعرف بـالحركية البيمهنية، التي أوصى مجلس المنافسة بتوسيع نطاقها في تقريره الأخير، باعتبارها أداة لاستثمار الكفاءات المتراكمة وتحسين جودة الخدمات القانونية. فإذا كان المشرع قد سمح بانتقال موظفي كتابة الضبط إلى مهنة المفوض القضائي وإلى مهنة العدل، وانتقال المحافظين العقاريين والمحامين وغيرهم إلى مهنة التوثيق، فإن فتح الباب أمام هذه موظفي كتابة الضبط للولوج إلى مهنة المحاماة يعد امتدادا طبيعيا لهذا المنطق التشريعي، وتطبيقا منسجما لمبدأ التناسب الذي يراعي الخبرة المهنية المتخصصة دون الإخلال بمتطلبات المهنة.
موظفو كتابة الضبط: الضلع الثالث الذي لا غنى عنه في “صناعة” القضاء
في كل مسطرة قضائية، سواء كانت مدنية أو تجارية أو زجرية، يوجد طرف لا يظهر كثيرا في الواجهة، لكنه يعد العمود الفقري لسير الإجراءات، إنه موظف كتابة الضبط. فهو ليس مجرد موظف إداري مساعد، بل هو الطرف الثالث الذي يكمل ثلاثية القضاء إلى جانب القاضي والمحامي. يتولى موظف كتابة الضبط مهاما دقيقة ومتخصصة ولا يسمح فيها بالخطأ نظرا لارتباطها بحقوق الأطراف، تبدأ من تلقي الطلبات والشكايات، واستخلاص الرسوم القضائية وباقي الواجبات المالية وبذلك فهو يمارس مهامه المحاسب العمومي بقوة القانون، ثم يحرر مختلف المحاضر والاجراءات، ويساهم في تنظيم الجلسات، وصولا إلى الإشراف على السجل التجاري و التبليغ و التنفيذ والبيوع القضائية وغيرها..
هذه الفئة تمتلك خبرة ميدانية فريدة لا تتوفر لدى باقي موظفي الدولة. ففي مسطرة صعوبات المقاولات، يكون موظف كتابة الضبط هو الوسيط الرئيسي للإجراءات واحيانا محركها إلى جانب القاضي بواسطة المحاضر، من تلقي التصريحات بالديون إلى تنظيم اجتماعات الدائنين ومتابعة مخططات التسوية أو التصفية. وفي مساطر الحجز والبيوع القضائية، يضطلع بدور محوري في إعداد محاضر الحجز، والإشراف على عمليات البيع بالمزاد العلني، وضمان احترام الآجال والإجراءات التي تحمي حقوق جميع الأطراف. كما تشرف كتابة الضبط على مساطر التبليغ القضائي والتنفيذات بمختلف أنواعها، وهي مساطر تتطلب معرفة قانونية ومسطرية دقيقة، ودراية بالتنظيم القضائي، وهذه معارف لا يمكن اكتسابها إلا من خلال الممارسة اليومية داخل المحاكم، إلى جانب دور هذا الجهاز في إصلاح الإدارة القضائية.
وقد تحدث الملك محمد السادس، في خطابه التاريخي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2009، عن كتابة الضبط، عندما أمر ضرورة إخراج القانون الأساسي لكتاب الضبط، كأحد الأجزاء الأساسية من الإصلاح الشامل للقضاء، إلى جانب تعزيز استقلالية القضاء وتحديث الإدارة القضائية. وقد جاء في الخطاب ما يلي:” وفي نفس الإطار، يجدر مراجعة النظام الأساسي للقضاة، في اتجاه تعزيز الاحترافية، والمسؤولية والتجرد، ودينامية الترقية المهنية، وذلك في ارتباط مع إخراج القانون الأساسي لكتاب الضبط، وإعادة النظر في الإطار القانوني المنظم لمختلف المهن القضائية.”
إن النقاش حول مساواة موظفي كتابة الضبط بباقي موظفي الدولة في الولوج إلى مهنة المحاماة يتجاهل هذه الخصوصية الجوهرية. فموظف كتابة الضبط ليس موظفا عاديا، بل هو جزء أصيل من الجسم القضائي، يساهم بشكل مباشر في إنتاج الحقيقة القضائية.
مبدأ التناسب في الدستور والاجتهاد القضائي
يعد مبدأ التناسب من المبادئ الدستورية العامة التي تحكم تدخل المشرع في مجال الحقوق والحريات ( أنظر مقالنا السابق في نفس الجريدة تحت عنوان: دستورية قانون تنظيم مهنة المحاماة رقم 66.23 في ضوء الدستور المغربي والقانون والقضاء المقارن). يقضي هذا المبدأ بأن أي تدبير تشريعي أو تنظيمي يمس بحق أو حرية يجب أن يكون ملائما لتحقيق غاية علنية واضحة ومشروعة، وضروريا بحيث لا يوجد تدبير أكثر توازنا و أقل تقييدا يحقق نفس الغاية، ومتناسبا بالمعنى الضيق، بحيث لا تكون الآثار السلبية الناتجة عنه أكبر من الفائدة المرجوة.
وقد استقر الاجتهاد الدستوري المقارن، على اعتبار مبدأ التناسب أداة أساسية للرقابة على التشريعات التي تقيد الحقوق والحريات. فالمشرع لا يجوز له أن يفرض قيودا عامة أو مطلقة، بل يجب أن تكون القيود مبررة ومتناسبة مع الهدف المشروع الذي يسعى إليه. ويقتضي هذا المبدأ التمييز بين الوضعيات غير المتشابهة، وليس بالضرورة أن تعامل معاملة واحدة بحجة المساواة، لأن المساواة الحقيقية لا تتحقق بالمعاملة المتساوية للجميع، بل بالمعاملة المتناسبة مع الخصوصيات الموضوعية لكل فئة ومع الهدف المشروع للنص إلى جانب الخصوصيات المهنية لكل فئة.
تطبيق مبدأ التناسب على ولوج موظفي كتابة الضبط لمهنة المحاماة
إن فتح مهنة المحاماة أمام جميع موظفي الدولة دون تمييز موضوعي يعد مخالفا لمبدأ التناسب الدستوري، وقد يحمل في طياته خطرا حقيقيا على سير المرافق العمومية. فالسماح لكل موظفي الدولة الحاصلين على شواهد في القانون، أو الذين يمارسون مهام قانونية في مختلف المرافق العمومية، بالولوج إلى المهنة سيؤدي إلى نزيف كبير في الكفاءات داخل الإدارة العمومية لا محالة، خاصة في الدرجات المتوسطة والعليا التي راكمت خبرة طويلة.
أما موظفو كتابة الضبط، فالوضع مختلف جذريا. فحسب آخر المعطيات الرسمية المرفقة بمشروع قانون المالية لسنة 2026، يبلغ عدد موظفي الدولة المدنيين 576062 موظفا، بينما يُقدر عدد موظفي هيئة كتابة الضبط بحوالي 14 ألف موظف حسب ما صرح به وزير العدل عبد اللطيف وهبي، أي ما يعادل نسبة لا تتجاوز 2.4% من مجموع موظفي الدولة. وبالتالي، فإن فتح الباب أمام هذه الفئة المحدودة العدد لن يحدث أي تأثير سلبي يذكر على الإدارة العمومية.
إن تطبيق مبدأ التناسب هنا يقتضي التمييز بين فئتين غير متماثلتين. فموظفو كتابة الضبط يمارسون مهاما قضائية يومية، ويمتلكون خبرة متراكمة في أدق المساطر، بينما لا يتوفر هذا المستوى من التخصص المهني الدقيق بشكل حصري ومن الممارسة لدى أغلب موظفي الدولة. لذلك، فإن منح هذه الفئة مسارا خاصا، شبيها بالمحافظين العقاريين في مهنة التوثيق، للولوج إلى مهنة المحاماة، كما نصت عليه المادة 13 من مشروع قانون 66.23، ليس امتيازا فئويا، بل هو تطبيق موضوعي لمبدأ التناسب. فهو يراعي الخصوصية القضائية لهذه الفئة، ويحقق في الوقت نفسه مصلحة عامة تتمثل في استثمار الخبرات المتراكمة وتجديد الموارد البشرية داخل الجهاز القضائي، دون المساس باستقرار الإدارة العمومية.
ومن جانب آخر، فإن النظام الأساسي لرجال القضاء يفتح المجال أمام موظفي هيئة كتابة الضبط، الذين تتوفر فيهم شروط معينة من الأقدمية والتكوين، للولوج إلى سلك القضاء وبدون مباراة، فإذا كان المشرع قد أقر إمكانية انتقال كاتب الضبط إلى منصب القاضي، الذي يمارس سلطة الفصل في النزاعات ويصدر أحكاما ملزمة ويفصل بين مواقع المحامون في الدفاع عن الأطراف، فإن حرمان هذا الموظف من الولوج إلى مهنة المحاماة، التي تعد من المهن المساعدة للقضاء، يثير إشكالا حقيقيا من حيث التناسب والانسجام التشريعي.
ذلك أن مبدأ التناسب لا يقتصر على تقييم مدى ملاءمة التدبير التشريعي لهدفه، بل يقتضي أيضا عدم وجود تناقض داخلي في المنظومة القانونية الواحدة أي تلك المتعلقة بالمهن القضائية. فإذا كان المشرع قد اعتبر موظف كتابة الضبط مؤهلا، بشروط معينة، لممارسة مهام القضاء، فإن من غير المنسجم مع منطق التشريع أن يحرم نفس الموظف من ممارسة مهنة المحاماة، التي لا تتطلب من حيث طبيعتها سلطة أعلى من تلك التي يمارسها القاضي، ولم يكن ذلك امتيازا، بل هو اعتراف من سلك القضاء بقدرات هذه الفئة من الموظفين، اعتراف مهني تم تثبيته في نص قانوني.
*دكتوراه في القانون العام والعلوم السياسية من جامعة محمد الخامس بالرباط







