كشف المجلس الأعلى للحسابات أن الأحزاب السياسية أرجعت إلى الخزينة ما مجموعه 36,03 مليون درهم من الدعم العمومي، مقابل مبالغ غير مرجعة بلغت قيمتها الإجمالية 21,85 مليون درهم، وذلك خلال الفترة الممتدة من سنة 2022 إلى غاية 15 نونبر 2025.
هذه الأرقام تشكل فضيحة تؤكد واقع بعض الأحزاب المغربية وتبرر وجود عدد من المنتخبين داخل السجن.
حدث ذلك بعد أن انتقلت إليهم عدوى الغموض في التدبير المالي من الأحزاب التي ينتمون إليها.
ويبدو أن بعض الأحزاب السياسية لا زالت تجد صعوبة في هضم المقتضيات القانونية التي تفرض أن تتقدم بماليتها السنوية مشفوعة بجميع الوثائق وطرق الصرف القانونية، وهو التدبير الذي يعد من حسنات الحراك الذي عرفه المغرب سنة 2011، بشكل فرض أن تكون الأحزاب السياسية في مقدمة المناهضين للفساد، وأن تشكل قدوة في ذلك.
واقع لم تستعد له بعض الكائنات السياسية التي استفادت من حالة الاختراق والتمييع التي طالت الأحزاب وعددًا من القطاعات في المغرب خلال السنوات الماضية، من خلال تغييب الديمقراطية الداخلية وغياب الشفافية المالية، وهو ما يفسر سبب عدم مبادرة بعض الأحزاب لعقد مؤتمراتها إلا حين تحصل مشكلة كبيرة، دون أن تقدم أي تقرير.
تحدي شفافية مالية الأحزاب يفرض ألا تتحول تقارير المجلس الأعلى للحسابات إلى مجرد أرقام للاستهلاك فقط وإلهاء الرأي العام، بل لابد من أن تتحرك النيابة العامة والجهات المختصة من أجل تطبيق القانون بعيدًا عن التوافقات التي تطبع الحياة السياسية. وبعيدًا عن اعتماد منطق الانتقائية الذي قد يترجم إلى محاكمات لاحقة بشكل يسقطنا في فخ الاستغلال السياسي لتقارير المجلس الأعلى للحسابات، علمًا أن قانون الأحزاب رتب جزاءات في هذا الصدد، وهو ما يفرض طرح تساؤل عما إذا كانت الدولة تملك الجرأة السياسية لتطبيقه.
من جهة أخرى، فإن تكريس الشفافية يفرض أن يتم نشر التصريح بممتلكات المسؤولين والحسابات المالية للأحزاب في الجريدة الرسمية حتى لا يتحول المجلس الأعلى إلى مجلس للأرشيف، مع ضرورة اتخاذ إجراءات موازية لوقف نزيف المال العام تحت غطاء العمل السياسي، وذلك من خلال حل الأحزاب المجهرية، شريطة أن تكون الانتخابات نزيهة وشفافة، وتعبر عن إرادة المواطنين في إطار لعبة ديمقراطية سليمة، أو اللجوء إلى عدم تمتيعها بالدعم مرة أخرى، وبالتالي سيتم القطع مع ظاهرة الدكاكين السياسية.
والواقع أن تصرف عدد من الأحزاب مع أموال الدعم وغياب الشفافية يعود إلى عقلية سائدة شجعتها ممارسات سابقة لوزارة الداخلية، التي كانت تسعى إلى صناعة الأغلبية والتحكم فيها، خاصة مع الأحزاب الإدارية، وهو ما أسفر عن التسامح الذي تم التعامل به مع طريقة تصرف الأحزاب في المال العمومي، الشيء الذي جعل مؤسسيها يتعاملون وكأنها مقاولة عمومية أو دولة داخل دولة. هذا التسامح سمح بانتقال هذه الممارسات إلى أحزاب وطنية بعد أن تحولت هذه السلوكيات إلى ثقافة سائدة.
الحل قد يكون تقنوقراطيًا وتدبيريًا من خلال المؤسسات الدستورية التي ترمي إلى عقلنة المشهد السياسي للمغرب، باعتبار أن ما ورد في تقرير المجلس من أرقام تهم حسابات الأحزاب هو بمثابة إنذار ودق لناقوس الخطر من أجل إحداث قطيعة مع الاختلالات المسجلة، والاتجاه نحو العقلنة والقطع مع الفساد وتجلياته.
كما أن الدولة مطالبة بتبني الصرامة في مواجهة المعطيات الصادمة التي كشف عنها التقرير بخصوص الوضعية المحاسبية لعدد كبير من الأحزاب، من خلال تفعيل مشدد لمبدأ المسؤولية والمحاسبة الذي ينبغي أن يطبق على جميع السياسيين.







