مع اقتراب عيد الأضحى من كل سنة، يتجدد النقاش في الأوساط المغربية حول قدرة الأسر على اقتناء أضحية العيد في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية. فهذه المناسبة الدينية لا تمثل مجرد طقس موسمي فحسب، بل تشكل شعيرة راسخة في الوجدان المغربي تحمل أبعادا دينية واجتماعية عميقة، وتعكس قيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات ملحوظة في سوق الماشية، حيث أصبح ارتفاع أسعار الأضاحي هاجسا يؤرق العديد من الأسر المغربية. فبين الرغبة في إحياء السنة النبوية والمحافظة على التقاليد الاجتماعية، يجد المواطن نفسه أمام تحديات اقتصادية متزايدة، خصوصا مع استمرار ارتفاع تكاليف المعيشة.
وتشير معطيات أكدتـها المندوبية السامية للتخطيط، في نشرة من مختصراتها حول موضوع “نفقات وممارسة شعائر عيد الأضحى” الصادرة في 10 يونيو 2024، إلى أن حوالي 13 في المائة من الأسر المغربية لا تمارس شعيرة عيد الأضحى. كما أظهرت المعطيات نفسها أن أضحية العيد تمثل حوالي 30 في المائة من إجمالي النفقات السنوية للأسر المغربية المخصصة لاستهلاك اللحوم.
وفي السياق ذاته، تتوقع الجمعية الوطنية لمربي الأغنام والماعز تسجيل ارتفاع في أسعار الأضاحي خلال موسم العيد المقبل بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف، مرجعة ذلك إلى تأثير التوترات الجيوسياسية الدولية، وعلى رأسها تداعيات التوترات المرتبطة بإيران في الأسواق العالمية، والتي قد تؤثر بشكل غير مباشر على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما ينعكس بدوره على كلفة الإنتاج في قطاع تربية الماشية.
كما يؤكد مهنيون في القطاع أن جزءا من ارتفاع الأسعار قد يرتبط أيضا بوجود حلقات متعددة من الوسطاء داخل أسواق الماشية، أو ما يعرف في التداول الشعبي بـ”الشناقة”، الأمر الذي يفتح الباب أمام المضاربات والزيادات غير المبررة في الأسعار، خاصة مع اقتراب موسم العيد وارتفاع الطلب.
وفي ظل هذه المعطيات، تتعالى أصوات المواطنين بضرورة تشديد المراقبة على أسواق بيع الماشية، ومحاربة كل أشكال الاحتكار والمضاربة التي قد تمس بالقدرة الشرائية للأسر، خصوصا في مناسبة دينية ذات بعد اجتماعي وروحي كبير داخل المجتمع المغربي.
وبين حرص المواطن على أداء شعيرة الأضحية، وضرورة الحفاظ على توازن السوق وحماية المستهلك، يبقى التحدي المطروح اليوم هو إيجاد معادلة تضمن وفرة الأضاحي بأسعار معقولة، مع حماية المربين من تقلبات السوق، وتعزيز الشفافية داخل سلاسل التوزيع.
وفي نهاية المطاف، يظل عيد الأضحى مناسبة تتجسد فيها قيم التضامن والتراحم بين المغاربة، وهي قيم ينبغي أن تظل في صلب هذه الشعيرة، بعيدا عن ضغوط الأسعار وممارسات الاحتكار التي قد تثقل كاهل المواطن.
عبد المجيد النوري
طالب باحث بماستر الحكامة الترابية







