بينما يستعد وزراء الحكومة ومعهم كوكبة مِن “الألِبّة” لضبط ساعاتهم اليدوية الفاخرة، والاطمئنان على أن أجهزتهم الذكية ستنتقل بسلاسة إلى توقيت “غرينيتش +1” صباح الاحد 22 مارس، وهم غارقون في وسائدهم الوثيرة، هناك مغرب آخر يستعد لخوض غمار “حرب بيولوجية” قسرية. مغربٌ لا تهمه الأرقام الماكرو-اقتصادية ولا توازنات البورصة مع “الشركاء الأوربيين”، بل يهمه “الفجر المظلم” الذي سيطارد أطفاله في الأزقة الضيقة.
إن قرار العودة إلى الساعة الإضافية ليس مجرد إجراء تقني لتوفير حفنة من “الميغاوات”، بل هو إعلان صريح عن انشطار مجتمعي حاد؛ هناك “ساعة للمحظوظين” وهناك “ساعة للمقهورين”.
المحظوظون، الذين يقطنون الأحياء المسيجة بكاميرات المراقبة، لن يشعروا بلسعة الظلام؛ فحافلات “البعثات” المحمية والسيارات الرباعية الدفع المكيفة ستنقل فلذات أكبادهم من باب البيت إلى باب “المدرسة” آه عفوا أقصد “السْكول”.
بالنسبة لهؤلاء، الساعة الإضافية هي مجرد “تعديل تقني” يخدم مصالح شركات “الكول سنتر” وترحيل الخدمات، ويمنحهم رفاهية البقاء على إيقاع “باريس” و”مدريد”.
أما المقهورون، فهم أولئك الذين يخرجون من أحياء الصفيح وهوامش المدن المنسية قبل أن يرتد طرف الفجر. هم تلميذات وتلاميذ في أعماق “الأطلس” وفي ضواحي “الدار البيضاء”، يقطعون الكيلومترات مشيًا في الخلاء والمناطق غير المضاءة، يواجهون الكلاب الضالة ونظرات المتربصين، فقط لأن الحكومة قررت أن “مزاج” المستثمر الأجنبي أقدس من “أمن” الطفولة المغربية.
أي قسوة تدبيرية هذه التي تجبر أمًا عاملة في معامل تصبير السمك أو الضيعات الفلاحية على ترك رضيعها في عتمة الليل، لتركب شاحنات “الموت” أو حافلات النقل الحضري المكتضة، لكي لا تتأخر عن موعد العمل. وأي عبث هذا الذي يجعل الدولة تصر على “دراسات” وهمية تؤكد فوائد “الساعة الزايْدة”، بينما “التجاعيد” على وجوه المغاربة المنهكين من قلة النوم والارتباك النفسي تقول عكس ذلك تماما.
إن التمسك بـ “GMT+1” في مواجهة الرفض الشعبي الكاسح هو “عناد سادي” يكرس القطيعة بين الإدارة ونبض الشارع. وهي أيضا رسالة فحواها “نحن نقرر، وأنتم عليكم الانضباط لعقاربنا”. لكن الحقيقة التي تتجاهلها المكاتب المكيفة هي أن “الأمن الطاقي” لا يمكن أن يُبنى على حساب “الأمن النفسي” والاجتماعي.
لقد تحول الزمن إلى أداة للفرز الطبقي؛ زمنٌ “مضيء” لمن يملكون، وزمنٌ “مظلم” لمن لا يملكون سوى الصبر. وعندما تصبح “الساعة” سوطًا يجلد ظهر البسطاء كل صباح، فاعلموا أن الفجوة لم تعد في التوقيت فحسب، بل في الانتماء لواقعين لا يلتقيان.







