وضعت محكمة النقض بالرباط أولى لبنات الاجتهاد القضائي في منظومة العقوبات البديلة، بعد صدور قرار حديث للغرفة الجنائية (الهيئة الأولى) يقطع الشك باليقين في شأن المسارات الإجرائية والقواعد المسطرية المنظمة لهذا الورش التشريعي الجديد.
القرار الذي يحمل رقم 1/1770، جاء ليعيد ضبط عقارب الاختصاص النوعي في منازعات التنفيذ، منتصراً لقواعد النظام العام ومصححاً “انزلاقاً مسطرياً” سقطت فيه محكمة الاستئناف بالقنيطرة.
وتعود فصول النازلة إلى قرار أصدره قاضي تطبيق العقوبات بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، قضى باستبدال عقوبة حبسية نافذة بعقوبة “العمل للمنفعة العامة” لفائدة أحد المحكوم عليهم، وهو القرار الذي لم تتقبله النيابة العامة، لتدخل القضية ردهات المنازعة القضائية. وبدلاً من عرض النزاع على غرفة المشورة بالمحكمة الابتدائية، تم توجيهه إلى غرفة جنح السير بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة، والتي زكت قرار استبدال العقوبة، مما دفع الوكيل العام للملك إلى الطعن بالنقض.
وفي سابقة قضائية، لم تتوقف محكمة النقض عند حدود الأسباب الواردة في مذكرات الطعن، بل فعلت سلطتها في إثارة وسيلة “الاختصاص” تلقائياً لتعلقها بالنظام العام.
واعتبر قضاة ” الهرم القضائي” أن غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة نصبت نفسها جهة للبت في قضية لا تدخل ضمن مشمولات اختصاصها قانوناً، مما جعل قرارها معيباً ومستوجباً للإبطال.
واستندت محكمة النقض في تعليلها الصارم على مقتضيات المادتين 599 و600 من قانون المسطرة الجنائية، مؤكدة أن قاضي تطبيق العقوبات بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، وباعتباره آخر جهة قضائية نظرت في ملف الشخص المعني، فإن الاختصاص الحصري والوحيد للبت في أي منازعة تتعلق بتنفيذ قراراته ينعقد لغرفة المشورة بذات المحكمة الابتدائية، وليس لدرجة تقاضٍ أعلى.
وشدد القرار على أن خرق قواعد الاختصاص يعد إخلالاً بجوهر المحاكمة العادلة وتجاوزاً للصلاحيات التي حصرها المشرع في نصوص واضحة لا تقبل التأويل، خاصة بعد التعديلات الأخيرة التي أدخلها القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة.
وبموجب هذا الحكم، تم نقض وإبطال القرار المطعون فيه، وإحالة الملف وأطرافه على غرفة المشورة بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، لضمان تنزيل سليم لمقتضيات العقوبة البديلة تحت رقابة الجهة المختصة قانوناً.
ويأتي هذا القرار في توقيت حساس، ليكون بمثابة “مذكرة توجيهية” غير مباشرة لكافة المحاكم المغربية، بضرورة التقيد الدقيق بالمسار المسطري في ملفات “بدائل السجن”، تفاديا لأي تضارب في الاختصاص قد يعطل الغاية الأساسية من هذا الإصلاح الجنائي المتمثل في أنسنة العقوبة وتخفيف الاكتظاظ السجني.







