مع اقتراب العد العكسي لانتخابات شتنبر 2026، يبدو أن “حكومة الأحرار” قررت رمي آخر أوراقها في ملعب “التشغيل”، حيث لم يكن الاجتماع الذي ترأسه عزيز أخنوش مؤخراً مجرد “لجنة تتبع” روتينية، بل كان بمثابة “مانيفستو” سياسي استباقي يحاول من خلاله الوفاء بالوعد الأكثر استعصاءً في البرنامج الحكومي والمتمثل في خلق “مليون منصب شغل صافي”.
وبينما تضخ الحكومة جرعات من التفاؤل الرقمي عبر الحديث عن إحداث 850 ألف منصب شغل في القطاعات غير الفلاحية بين 2021 و2025، يطرح المراقبون أسئلة حارقة حول ما إذا كنا أمام استدراك حقيقي في “الزمن الضائع” أم أنها مجرد عملية لذر الرماد في العيون لتبييض الحصيلة قبل مواجهة الناخبين، خاصة وأن القراءة النقدية في كواليس القرار تشير إلى أن هذا الرقم “انتقائي” بامتياز، حيث تصر الحكومة على عزل القطاعات غير الفلاحية لتلميع الصورة بينما يتجاهل الخطاب الرسمي نزيف فقدان المناصب في العالم القروي الذي ابتلعه الجفاف، وهو ما جعل مصادر اقتصادية مطلعة تحذر من أن الرهان على كسر عتبة المليون بحلول نهاية 2026 يظل مخاطرة كبرى لأن الفارق بين “خلق المناصب” و”صافي فرص الشغل” يظل شاسعاً في ظل ضياع مناصب أخرى في القطاع غير المهيكل.
ويأتي هذا التحرك الحكومي المكثف في ظل متغير تنظيمي لافت داخل حزب التجمع الوطني للأحرار، القائد للتحالف الحكومي، حيث برز محمد شوكي كقائد جديد للدفة التنظيمية للحزب، لتبدأ الماكينة التواصلية في إعادة صياغة منجزات الحكومة بلغة تكنوقراطية مغلفة بوعود اجتماعية، بينما يظل شكيب بنموسى على رأس المندوبية السامية للتخطيط كحارس لمرصد الأرقام الذي قد لا تتطابق قراءاته دائماً مع طموحات الحكومة “الوردية”.
وترى المصادر أن هذا التركيز على برامج “إدماج” و”تحفيز” و”تدرج” هو محاولة استراتيجية لتقديم الحزب كـ”منقذ” لكتلة الشباب غير الحاصل على شهادات، وهي الكتلة الناخبة الأكبر والأكثر غضباً، في محاولة لتجاوز الانتقادات اللاذعة التي طالت “هشاشة” الوظائف المحدثة سابقاً عبر برنامج “أوراش”.
إلا أن واقع سوق الشغل ظل عنيداً أمام بروفايل “رجل الأعمال” الذي سُوّق به أخنوش، إذ تشير كواليس الاجتماع الأخير إلى وجود توجيهات صارمة لتسريع وتيرة المصادقة على مشاريع الاستثمار التي لم يوافق منها إلا على 21 مشروعاً من أصل 170، مما يبرز بطءاً بيروقراطياً يلتهم طموحات الميثاق الجديد للاستثمار.
وفي الوقت الذي دعا فيه رئيس الحكومة إلى تعزيز “الالتقائية” بين القطاعات، وهو مصطلح غالباً ما يخفي وراءه تشرذماً داخل الجزر الوزارية، يبقى التساؤل قائماً حول مدى قدرة حلول مثل إحداث 40 حضانة نموذجية أو استهداف 100 ألف متدرب سنوياً على قلب موازين القوى في شتنبر المقبل، خاصة وأن التضخم وارتفاع الأسعار يظلان المنافس الحقيقي لأخنوش وشوكي في صناديق الاقتراع.
ومع مراهنة الحكومة على دينامية سنة 2025 كقاعدة انطلاق لمضاعفة الجهد، يظل المشهد مفتوحاً على سيناريوهين؛ إما نجاح المقاولات الصغرى في امتصاص الغضب الشعبي بفضل الدعم المالي الأخير، أو الاصطدام بـ”سراب رقمي” نتيجة تداعيات سنوات الجفاف وتراجع الطلب الخارجي، مما قد يجعل الحكومة تذهب للانتخابات بحصيلة منقوصة.
وفي نهاية المطاف، لم تعد قضية “مليون منصب شغل” مجرد رقم تقني، بل تحولت إلى “عقيدة بقاء” سياسي، فإما أن تدخل هذه التجربة التاريخ كأول حكومة توفي بوعودها الرقمية في التشغيل، أو تظل ذكراها مرتبطة بوعود ابتلعتها رمال الواقع الاقتصادي العنيد، في انتظار ما ستسفر عنه “محكمة” الصناديق التي لم يعد يفصل عنها الكثير.







