كشفت مصادر مهنية متطابقة لـ “نيشان” أن التوجه الحكومي القاضي بالتوقيف المؤقت لاستيراد القمح اللين خلال شهري يونيو ويوليوز المقبلين، لا يعدو أن يكون إجراءً تقنيا محاطا بكثير من “الحسابات الضيقة” التي تخدم كبار الفاعلين في قطاع المطاحن والمستوردين أكثر مما تخدم الفلاح الصغير المثقل بالديون.
وأوضحت المصادر ذاتها أن الموانئ المغربية تعيش حالياً على إيقاع تسابق محموم لتفريغ شحنات ضخمة من القمح الأجنبي، خاصة القادم من روسيا وفرنسا، قبل دخول قرار التوقيف حيز التنفيذ، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة المحصول الوطني على الصمود في سوق ستكون مشبعة سلفا بالمخزون المستورد.
وتشير المعطيات التي استقتها “نيشان” من أوساط مطلعة على سلاسل التوريد، إلى أن “لوبي الاستيراد” نجح في استباق قرار التوقيف عبر تكثيف الطلبيات في الأشهر الثلاثة الأخيرة، مستفيدا من استقرار الأسعار الدولية دون سقف 270 درهما للقنطار، وهو ما مكن أصحاب المخازن الكبرى من تأمين حاجياتهم للشهور القادمة.
هذا الوضع، حسب القراءة المهنية، سيضع الفلاح المغربي في مواجهة مباشرة مع “تخمة” في العرض المحلي، حيث سيجد صعوبة بالغة في تسويق محصوله الوطني بأسعار مجزية، في ظل وجود بديل أجنبي مخزن وجاهز للاستعمال لدى المطاحن الصناعية، وهو ما قد يفرغ قرار “حماية المنتوج الوطني” من محتواه الفعلي ويحوله إلى مجرد واجهة تواصلية لامتصاص غضب الفلاحين.
وفي سياق متصل، تنقل مصادرنا وجود حالة من الترقب داخل أروقة المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، حيث يتم الترويج لسيناريو “الموسم الاستثنائي” لشرعنة توقيف الاستيراد، بينما تهمس مصادر من داخل القطاع بأن القدرة التخزينية للمغرب قد تصل إلى ذروتها بحلول شهر يونيو، ليس بسبب وفرة المنتوج الوطني فحسب، بل نتيجة التراكم الذي حصل بفعل الواردات المستمرة حتى اللحظة.
ويظل الرهان الحقيقي، حسب المصادر، هو مدى جدية الحكومة في تفعيل آليات المراقبة لضمان أن المطاحن ستعطي الأولوية فعلاً للقمح المحلي عند استئناف حملة التسويق، أم أن “قوة الأمر الواقع” التي تفرضها الكميات المستوردة حالياً ستجعل من المحصول الوطني مجرد “تكملة” في معادلة الأمن الغذائي، مما يعيد إلى الواجهة نقاش السيادة الغذائية المفقودة بين تقلبات المناخ وهيمنة كبار المستوردين على مفاصل القرار الاقتصادي الفلاحي.







