في السياسة، قد يختلف التقييم، وقد تتباين القراءات، لكن ما لا يمكن قبوله هو هذا الإصرار على إقناع الناس بما يناقض ما يعيشونه يومياً. ذلك بالضبط ما يطبع تجربة كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية، لحسن السعدي، الذي اختار أن يواجه واقعاً مأزوماً بخطاب احتفالي يكاد ينفصل كلياً عن الحقيقة.
في خرجاته الإعلامية، لا يتردد السعدي في الحديث عن “تحولات كبرى” و”إنجازات غير مسبوقة”، في انسجام تام مع الخط العام الذي يقوده رئيس الحكومة عزيز أخنوش. لكن المفارقة الصادمة أن هذا الخطاب المتفائل يصطدم بواقع مختلف داخل القطاع: موظفون غاضبون، ملفات عالقة، تعويضات هزيلة، ومسارات مهنية متوقفة.
هنا تحديداً، يطرح السؤال نفسه بسخرية مرة: هل المطلوب من المغاربة أن يصدقوا هذا الخطاب رغم كل ما يرونه؟ أم أن الرسالة الضمنية أصبحت تختزل في عبارة واحدة: “مهبول أنا”؟
ليست العبارة هنا شتيمة، بل توصيف دقيق لحالة سياسية يُراد فيها تمرير سردية “الإنجاز” رغم غياب مؤشرات حقيقية عليه. فحين يتحدث المسؤول عن إصلاحات كبرى، بينما يشتكي موظفو قطاعه من التهميش وغياب الحوار، فإن المشكلة لا تكون في إدراك المواطنين، بل في مصداقية الخطاب نفسه.
لقد وعد السعدي بإطلاق ورش مراجعة القانون 18.09، وقدم ذلك كمدخل لإصلاح شامل. غير أن هذا المشروع ظل معلقاً، دون أثر ملموس. ومع ذلك، يستمر نفس الخطاب: إنجازات، أوراش، تحول… وكأن الإعلان عن الإصلاح أصبح بديلاً عن تحقيقه.
في المقابل، تتحدث النقابات عن واقع مغاير تماماً: تأخر في تسوية الملفات الإدارية، غياب معايير واضحة في الترقية والتوظيف، وتدبير يفتقر للشفافية. وهي اختلالات لا يمكن اختزالها في تفاصيل تقنية، بل تعكس خللاً في طريقة إدارة القطاع.
الأخطر من ذلك هو هذا الإحساس المتنامي بأن الإدارة لم تعد فضاءً محايداً، بل مجالاً تتحرك فيه حسابات ضيقة، حيث تختلط المسؤولية بالتوازنات، وتُفرغ الكفاءة من معناها. وهنا، لا يعود الحديث فقط عن أزمة تدبير، بل عن أزمة ثقة.
ثم يأتي السؤال الأهم: أين هو الحوار الاجتماعي؟ كيف يمكن لقطاع يعيش هذا الاحتقان أن يُدار دون قنوات تواصل حقيقية؟ النقابات تتحدث عن تماطل، عن غياب إرادة في التفاعل، وعن إدارة تفضل الصمت على المواجهة. وهو ما يزيد من حدة التوتر بدل احتوائه.
لكن ما يثير الانتباه أكثر هو هذا الإصرار على الاستمرار في نفس اللغة، نفس النبرة، ونفس “التطبيل” لإنجازات لا يراها المعنيون بالأمر. كأن الخطاب الرسمي لم يعد موجهاً لإقناع المواطنين، بل لإعادة إنتاج صورة داخلية عن النجاح، حتى وإن كانت منفصلة عن الواقع.
في النهاية، لا يمكن لأي مسؤول أن يستمر في إقناع الناس بأن كل شيء على ما يرام، بينما المؤشرات تقول العكس. لأن السياسة، في جوهرها، ليست فن الخطابة، بل مسؤولية الفعل.
وبين خطاب يقول إن “كل شيء بخير” وواقع يصرخ بعكس ذلك، يبقى السؤال معلقاً: من عليه أن يراجع نفسه؟ المواطن الذي يرى، أم المسؤول الذي يصر على أن لا يرى؟ أم أننا فعلاً أمام مرحلة يُطلب فيها من الجميع أن يرددوا، دون اقتناع: “مهبول أنا”؟







