بينما يتجه المغرب بخطى حثيثة نحو استكمال معالم ورش الحماية الاجتماعية، تبرز قضية “الحقوق المغلقة” كواحدة من أكثر النقط سوداوية في مسار تأمين المغاربة ضد المرض، وهي الوضعية التي تجعل من الحق في العلاج رهينا بانتظام الأداء التقني والمسطري، مما يلقي بآلاف المؤمنين خارج “جنة التغطية” عند أول تعثر مالي أو إداري.
وفي هذا السياق، جاء الرأي الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي ليضع الحكومة أمام مرآة تناقضاتها، حيث لم يكتفِ المجلس بمباركة الإصلاحات الهيكلية التي تضمنها مشروع القانون رقم 54.23، بل ذهب بعيداً في المطالبة بإلغاء وضعية “الحقوق المغلقة” بصفة نهائية، معتبراً أن فلسفة الدولة الاجتماعية لا تستقيم مع حرمان المواطن من الطبيب والدواء لمجرد وجود نزاعات تقنية حول الاشتراكات، خاصة وأن المنظومة الحالية في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تتبنى نظاماً آلياً صارما يوقف الاستفادة بمجرد حدوث قطيعة في الأداء، وهو ما يصفه مراقبون وخبراء في السياسات الصحية بأنه طرد ناعم للمؤمنين في أكثر اللحظات التي يكونون فيها بحاجة إلى رعاية الدولة.
ويفتح هذا التوجه الذي يزكيه المجلس الاقتصادي والاجتماعي جبهة نقاش حارقة حول كواليس التوازنات المالية التي تحكم الصناديق، إذ يدرك القائمون على الشأن الصحي أن إلغاء “الحقوق المغلقة” ليس مجرد قرار إنساني أو حقوقي، بل هو مجازفة مالية تتطلب دراسات اكتوارية عميقة، وهو ما فطن إليه المجلس حين ربط توصيته بضرورة إنجاز دراسة استشرافية تمتد لعشرين سنة، وذلك لضمان عدم انهيار الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تحت ثقل الانفتاح الشامل على كافة الفئات.
وفي عمق هذا الجدل، تبرز معضلة الإنصاف بين المغاربة، حيث يجد الأجراء والعمال المستقلون أنفسهم في وضعية هشة مقارنة بالمستفيدين من نظام “أمو-تضامن”، فالأولون مهددون بسحب البساط من تحت أقدامهم عند أي أزمة اقتصادية تمنعهم من سداد اشتراكاتهم، بينما يطالب المجلس بتجاوز هذا التمييز وضمان استمرارية العلاج للجميع تحت سقف مؤسسة موحدة، مما يعني عملياً فك الارتباط بين “الحق في الصحة” و”الوضعية المحاسباتية” للمنخرط.
وترى المصادر أن هذه القراءة النقدية التي قدمها المجلس تضع مشروع القانون رقم 54.23 تحت مجهر المساءلة الشعبية، فدمج “كنوبس” في “سي إن إس إس” ونقل تدبير القطاع العام لا يجب أن يكون مجرد عملية تجميع إدارية للأصول والديون، بل فرصة لتصحيح أعطاب “الإقصاء الآلي” التي طالما عانى منها المنخرطون.
وبينما تنتظر الحكومة الضوء الأخضر البرلماني لتنزيل هذا الإصلاح، تظل توصية المجلس بإلغاء الحقوق المغلقة بمثابة اختبار حقيقي للإرادة السياسية في إنهاء عصر “المؤمنين الموقوفين عن التنفيذ”، فإما أن ينتصر المنطق الاجتماعي الذي يضع كرامة المريض فوق كل اعتبار، أو يظل “حاسوب الصناديق” هو الحاكم الفعلي الذي يقرر من يستحق العلاج ومن يواجه قدره وحيداً أمام أبواب المصحات الموصدة.
ووفقا للمصادر ذاتها، فإن الرهان اليوم يتجاوز لغة الأرقام الصماء ليمس جوهر العقد الاجتماعي الجديد، حيث لم يعد مقبولا في مغرب 2026 أن يُطرد مواطن من مستشفى لأنه “عاجز عن الدفع مؤقتاً”، وهو ما يجعل من توصيات المجلس صرخة في وجه البيروقراطية التي كادت أن تحول ورش التغطية الصحية إلى مجرد آلية جبائية تفتقر لروح التضامن الإنساني.







