لم تعد التحركات الدبلوماسية المغربية في القارة السمراء، خلال العقد الأخير، مقتصرة على البلاغات الرسمية أو القمم المؤسساتية الكبرى. فمنذ العودة التاريخية للمملكة إلى الاتحاد الإفريقي في يناير 2017، برزت إلى الواجهة “دبلوماسية موازية” أكثر صمتاً وفاعلية؛ تعتمد على الوساطات غير الرسمية، والقنوات الاستخباراتية، وشبكة معقدة من العلاقات الشخصية مع القادة الأفارقة.
وبحسب ما أورده تقرير نشرته مجلة “جون أفريك”، فإن أحد أبرز تجليات هذا النفوذ يظهر في قدرة الرباط على فرض نفسها كـ “أرض محايدة” وموثوقة. فبعد اتفاق الصخيرات التاريخي بشأن ليبيا في 2015، استمر المغرب في لعب دور “الميسّر” الصامت، حيث تحولت مدينتا الرباط وطنجة بين عامي 2020 و2021 إلى منصات للقاء الفرقاء الليبيين بعيداً عن الضغوط الدولية المباشرة.
ولم يقف هذا الدور عند الملف الليبي، بل امتد ليشمل دولاً تعيش اضطرابات سياسية حادة.
ووفقاً للتقرير، فقد استغل المغرب رئاسته لمجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي في مارس 2025 لتنظيم “مشاورات غير رسمية” ضمت دولاً تعيش مراحل انتقال سياسي (بوركينا فاسو، الغابون، غينيا، مالي، النيجر، والسودان)، ما سمح بإبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع “المجالس العسكرية” الحاكمة في وقت اختار فيه فاعلون دوليون آخرون سياسة القطيعة.
ويشير تقرير “جون أفريك” إلى أن التحرك المغربي يتخذ أحياناً طابعاً أمنياً دقيقاً. فقد ساهمت قنوات استخباراتية مغربية، في دجنبر 2024، في تأمين إطلاق سراح أربعة عملاء للمخابرات الفرنسية في بوركينا فاسو، ووساطة مماثلة أدت لتحرير ضابط أمن رومانسي في أغسطس 2023.
هذه “الدبلوماسية الخشنة” تسير جنباً إلى جنب مع مبادرات تنموية كبرى، على رأسها “المبادرة الملكية للأطلسي” التي أطلقت في مراكش نهاية 2023. ويهدف المشروع إلى فك العزلة عن دول الساحل الحبيسة (مالي، النيجر، تشاد، وبوركينا فاسو) عبر منحها وصولاً استراتيجياً للمحيط الأطلسي، مما يحول المغرب من مجرد “جار شمالي” إلى شريك اقتصادي وجودي لهذه الدول.
وحسب التقرير، فإن قوة المغرب تكمن في كونه “لا يكتفي بالنهج المؤسساتي التدخلي، بل يبني علاقاته على ركائز اقتصادية، دينية، وثقافية، غالباً خارج المسارات البيروقراطية الكلاسيكية”.
مضيفا أن هذا التموضع المغربي “الهجين” سمح للرباط بالتحرك في مناطق نفوذ تقليدية (مثل الساحل) في وقت تشهد فيه علاقات تلك الدول توتراً حاداً مع الغرب، ولا سيما فرنسا.
ومن أكثر الجوانب إثارة في هذه الدبلوماسية، حسب تقرير “جون أفريك”*، هناك تحول المملكة إلى “أرض استقبال” مفضلة للقادة الأفارقة، سواء في فترات النقاهة أو التقاعد أو حتى اللجوء السياسي الصامت.
وقدم التقرير أمثلة على ذلك كلا من ماكي سال (السنغال)، الذي استقر بمراكش منذ مارس 2024، وعمر سيسوكو إمبالو (غينيا بيساو)، الذي استضافه المغرب بعد انقلاب نونبر 2025، ثم علي بونغو (الغابون)، الذي قضى فترة نقاهة طويلة في الرباط (2018-2019)، بالإضافة إلى قادة سابقين مثل بليز كومباوري وعبد الله واد ولوران غباغبو.
ويرى التقرير أن هذه الاستضافة تندرج ضمن “القوة الناعمة”، فالرباط تدرك أن هؤلاء القادة، حتى بعد مغادرتهم السلطة، يظلون محتفظين بشبكات نفوذ ورجال أعمال ومراكز قرار في بلدانهم، مما يجعل من إقامتهم في المغرب “جسراً دائناً” يخدم المصالح الاستراتيجية للمملكة.
وخلص التقرير إلى أن الدبلوماسية المغربية اليوم لم تعد تكتفي بالتمثيلية الرسمية، بل أصبحت “دبلوماسية روابط إنسانية وشخصية”، تضمن للرباط نفوذاً ممتداً يتجاوز حدود المؤسسات ليخترق عمق الدوائر المؤثرة في القارة.
الدبلوماسية الموازية.. كيف ينسج المغرب “خيوط نفوذه” في إفريقيا بعيداً عن الأضواء؟







