اعتبرت صحيفة لوفيغارو الفرنسية أن الاقتصاد العالمي لم يعد يواجه مجرد اضطرابات عابرة، بل يقف أمام تهديد حقيقي بالتفكك، يعيد إلى الأذهان الأوضاع التي سادت خلال ثلاثينيات القرن الماضي.
ورغم أن المؤشرات الظاهرية توحي بقدر من الصمود، حيث تمكن الاقتصاد العالمي منذ بداية العقد من تجاوز أزمات كبرى مثل جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، والتوترات في الشرق الأوسط، إضافة إلى الحرب التجارية التي أطلقها دونالد ترامب، فإن التوقعات تشير إلى تباطؤ مرتقب في وتيرة النمو، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
وفي المقابل، تواصل الشركات إظهار مرونة نسبية في مواجهة حالة عدم اليقين، بينما تسجل الأسواق المالية أداءً لافتًا، خاصة مع ارتفاع مؤشر S&P 500 إلى مستويات تفوق متوسطاته التاريخية من حيث مضاعف الربحية.
غير أن هذه الصورة الإيجابية تخفي واقعًا أكثر تعقيدًا، إذ تتسع الفجوة بين انتعاش الأسواق المالية وتزايد المخاطر الجيوسياسية، في وقت لم تعد فيه النزاعات محدودة أو قصيرة الأمد، بل أصبحت ممتدة وأكثر تأثيرًا على الاقتصاد العالمي.
كما أن التوترات بين واشنطن وطهران، رغم محاولات التهدئة، ألقت بظلالها على أمن الطاقة والتجارة الدولية، خصوصًا مع تعقيدات الوضع في مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية.
وتشير المعطيات إلى أن تداعيات الصدمات النفطية لا تزال أقل من تقديرها الحقيقي، فبالرغم من أن أسعار النفط لم ترتفع سوى بنحو 50%، إلا أن استمرارها فوق مستوى 100 دولار للبرميل قد يدفع الاقتصاد العالمي نحو ركود مصحوب بتضخم مرتفع وبطالة متزايدة.
ويزيد من حدة الوضع احتمال تعطل سلاسل الإمداد العالمية، حيث يمكن أن تمتد آثار الأزمة إلى قطاعات حيوية مثل الزراعة، والصناعات الثقيلة، والتكنولوجيا، وصولًا إلى النقل الجوي والسياحة، مع بوادر نقص بدأت تظهر في بعض الأسواق الآسيوية.
وعلى المستوى المالي، تبرز اختلالات مقلقة، أبرزها التباين بين أداء أسواق الأسهم وسوق السندات، في ظل استمرار ارتفاع أرباح الشركات بدعم من سياسات ضريبية مرنة وضبط الأجور، إلى جانب الرهانات المتزايدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي. غير أن هذه الدينامية قد تصطدم لاحقًا بتراجع الطلب.
في الوقت ذاته، تتزايد المخاطر المرتبطة بالفقاعات الاستثمارية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والعملات الرقمية، التي تُقدّر قيمتها بنحو 4 تريليونات دولار، وهو ما يجعل الأسواق الناشئة أكثر عرضة للتقلبات.
كما يظهر خلل آخر في التباعد بين أسعار الفائدة قصيرة وطويلة الأجل، حيث تسعى الحكومات إلى خفض الفائدة لدعم النمو، حتى ولو كان ذلك على حساب استقلالية البنوك المركزية، كما هو الحال في الضغوط السياسية على الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.
وتتسارع أيضًا مظاهر تفكك الاقتصاد العالمي، سواء من خلال تراجع التعاون الدولي أو اضطراب أنظمة التجارة والمدفوعات، مع تحول الموارد الاستراتيجية إلى أدوات صراع بين الدول.
وفي هذا السياق، استفادت الولايات المتحدة من ارتفاع أسعار الطاقة باعتبارها منتجًا رئيسيًا، لكنها تواجه في المقابل تحديات داخلية، تشمل ارتفاع التضخم وتزايد البطالة، إلى جانب تفاقم العجز والدين العام.
وترى الصحيفة أن العالم يقف أمام تحول عميق، ليس مجرد أزمة دورية، بل إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي العالمي، في ظل صعود النزعات القومية وتراجع العولمة.
ويستحضر هذا الوضع أفكار الاقتصادي جون ماينارد كينز، الذي أشار إلى أن التحدي الأكبر لا يكمن في تبني أفكار جديدة، بل في التخلي عن القديمة، وهو ما يبدو صعبًا في ظل التحولات الراهنة.
وفي خضم هذه التغيرات، تحاول الصين تقديم نفسها كقوة استقرار، مقابل تقلبات السياسة الأمريكية، بينما تجد أوروبا نفسها مطالبة بإعادة تحديد موقعها الاستراتيجي، من خلال تعزيز استقلالها الاقتصادي وتوازنها بين التنافسية والسيادة.
وبحسب لوفيغارو، فإن العالم يتجه نحو نظام اقتصادي جديد، أكثر تسييسًا وتعقيدًا، في ظل بيئة دولية تتسم بقدر متزايد من عدم الاستقرار.







