أثار أول خروج رسمي للوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، والذي كشف عن استفادة 3.9 ملايين أسرة من الدعم المباشر بغلاف مالي بلغ 51 مليار درهم، نقاشا واسعًا في الأوساط السياسية والاقتصادية، ليس فقط بسبب حجم المبالغ المصروفة، بل أساسًا بسبب التوزيع الجغرافي للمستفيدين.
ففي الوقت الذي اعتبرت فيه الوكالة أن بلوغ نسبة المستفيدين في الوسط القروي 60 في المائة يشكل دليلاً على “نجاعة استهداف السجل الاجتماعي الموحد”، توقفت مصادر خاصة تحدثت لـ”نيشان” عند ما وصفته بـ”المفارقة الصارخة” التي تضع رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، أمام مساءلة مباشرة لسياساته العمومية التي أشرف عليها طيلة عقد ونيف.
وفي قراءة متأنية للأرقام الواردة في التقرير السنوي للوكالة برسم سنة 2025، يبرز تناقض جلي بين الخطاب السياسي الذي رافق تنزيل البرامج الفلاحية الكبرى، وعلى رأسها “مخطط المغرب الأخضر”، وبين الواقع السوسيولوجي الذي وثقته أرقام الدعم.
وتشير المصادر إلى أن المخطط الفلاحي، الذي استنزف غلافا ماليًا تجاوز 100 مليار درهم، وكان يهدف، بحسب مهندسيه، إلى خلق الثروة الفلاحية وتنمية العالم القروي وتحسين دخل الفلاحين، يصطدم اليوم باعتراف رسمي صادر عن مؤسسة حكومية يؤكد أن القرى والمداشر المغربية تحولت إلى “الخزان الأكبر للفقر متعدد الأبعاد”، محتضنة أكثر من نصف الأسر التي تعيش وضعية هشاشة تقتضي تدخلاً عاجلاً من الدولة لضمان حد أدنى من الكرامة.
وترى مصادر “نيشان” أن هذا التقرير، رغم لغته التكنوقراطية، يمثل “إدانة غير مقصودة” للخيارات التنموية السابقة.
وأكدت المصادر أن خريطة الفقر التي رسمها السجل الاجتماعي الموحد بدقة لا تدع مجالاً للشك، إذ تُسائل بشكل مباشر نجاعة الاستثمارات الضخمة التي وُجهت إلى العالم القروي خلال السنوات الخمس عشرة الماضية.
وتتساءل المصادر ذاتها كيف يمكن تفسير هذا التمركز اللافت للفقر في المناطق القروية إذا كانت السياسات الفلاحية السابقة قد حققت أهدافها في إدماج الساكنة القروية في الدورة الاقتصادية، معتبرة أن الأرقام الحالية تشير إلى أن تلك الاستثمارات ربما خلقت ثروة تمركزت في يد فئة محدودة من كبار الفلاحين والمستثمرين، فيما تُركت الأغلبية لمواجهة تقلبات المناخ وغلاء المعيشة.
من جهة أخرى، لم تستبعد مصادر سياسية أن يكون هذا المعطى الإحصائي مرتبطا بالسياق الانتخابي الذي يقترب تدريجيًا، مشيرة إلى أن الإشراف على وكالة الدعم الاجتماعي من طرف شخصية مقربة من رئيس الحكومة قد يجعل من هذه الأرقام سلاحا ذا حدين.
فمن جهة، تحاول الحكومة التسويق لنجاحها في إيصال الدعم إلى مستحقيه في أبعد المناطق، لكنها من جهة أخرى، قد تقدم، دون أن تقصد، دليلاً إحصائيًا رسميًا لخصومها السياسيين على أن العالم القروي، الذي شكل دومًا الخزان الانتخابي الأبرز، لم يجنِ من شعارات “الأولوية الاستثمارية” و”تنمية العالم القروي” سوى استمرار الهشاشة وتراجع مؤشرات التنمية، ليتحول من مساهم مفترض في خلق الثروة عبر الفلاحة إلى متلقٍ رئيسي للتحويلات الاجتماعية التي تستنزف جزءا مهما من ميزانية الدولة للحفاظ على السلم الاجتماعي.







