في الوقت الذي خرج فيه مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، ممتشقاً أرقاماً متفائلة تتوقع إنهاء سنة 2026 بمعدل نمو يقارب 5.2 في المائة، بدا واضحاً أن الخطاب الماكرو-اقتصادي الرسمي تجاوز جدران قاعة الندوات بالرباط ليمهد الأرضية الانتخابية لاستحقاق 23 شتنبر المقبل.
هذه النسبة التي لم يسجلها الاقتصاد الوطني منذ سنوات، توظفها الأغلبية الحكومية كغطاء سياسي ودرع تواصلية ثقيلة يسعى من خلالها حزب التجمع الوطني للأحرار إلى حماية تركة رئيس الحكومة المغادر لعجل القيادة الحزبية، عزيز أخنوش، مع تقديم حصيلة رقمية مريحة يدشن بها الرئيس الجديد للحزب، محمد شوكي، حملته الانتخابية في مواجهة انتقادات شرسة من المعارضة التي تركز على إخفاقات التدبير الاجتماعي والقدرة الشرائية.
وترى مصادر اقتصادية وسياسية متطابقة أن هذا الاندفاع الرقمي من جانب الجهاز التنفيذي ينطوي على مفارقة صارخة عند مقارنته بالقراءات المتحفظة الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية؛ ففي حين تصر الحكومة على كسر حاجز الـ 5 في المائة، يضع البنك الدولي تقديراته عند حدود 4.2 في المائة فقط، بنقصان نقطة مئوية كاملة عن الطموح الرسمي، بينما لا يتجاوز سقف توقعات صندوق النقد الدولي 4.9 في المائة.
هذا التباين الحاد يثير تساؤلات جدية حول مدى دقة المؤشرات المعتمدة وطبيعة الأهداف المتوخاة منها، وما إذا كانت الفاصلة العشرية المضافة مجرد أداة تواصلية تهدف إلى تخدير الكتلة الناخبة وإحداث أثر نفسي مؤقت يتبخر مباشرة بعد إغلاق صناديق الاقتراع.
ويتسع عمق التحليل النقدي عند تفكيك البنية الداخلية لنسبة النمو المعلنة؛ إذ تحاول السردية الرسمية ربط الانتعاش بـ “نجاعة السياسات العمومية” والإجراءات الحكومية، في حين تؤكد المعطيات الهيكلية أن المحرك الحقيقي لهذا الصعود هو الطبيعة المتقلبة لـ “اقتصاد المطر”؛ فالطفرة الحالية مدفوعة أساساً بموسم فلاحي استثنائي قفز بالقيمة المضافة الفلاحية بنحو 15 في المائة بعدما تجاوزت التساقطات المطرية عتبة توقعات إنتاج الحبوب بـ 90 مليون قنطار، إلى جانب انتعاش عوائد القطاع السياحي بـ 20 مليون سائح.
هذا الارتباط البنيوي الدائم بالمتغيرات المناخية يثبت أن الطفرة الراهنة تظل هشة وعرضة للانتكاس عند أي موسم جاف مقبل، مما يعني عجز المخططات الاقتصادية المتعاقبة عن تحقيق تنويع حقيقي ومستدام للنسيج الإنتاجي الوطني بعيداً عن تقلبات السماء.
وفي اتصال هاتفي أجراه موقع “نيشان” مع “محمد تورانتي” الخبير الاقتصادي والمحلل المالي، أكد أن جوهر المعضلة عشية المحطة الانتخابية لا يكمن في النسبة المئوية للنمو التراكمي بقدر ما يرتبط بعجز هذه الدينامية عن الانتقال إلى مؤشرات التشغيل والتنمية الاجتماعية الملموسة.
وأوضح الخبير ذاته في تصريحه لـ “نيشان” أن هذا النموذج يصنف اقتصادياً ضمن خانة “النمو الأعمى” أو غير المنتج للوظائف المستدامة، مستدلاً باستمرار معدلات البطالة في مستويات مقلقة تتجاوز 15 في المائة في صفوف الشباب وحاملي الشهادات، إذ يظل القطاع الفلاحي المنتعش مشغلاً موسمياً ومؤقتاً لا يوفر الأمان الوظيفي للكتلة الناخبة الشابة التي تمثل الخزان الانتخابي الأبرز المراهن عليه لتغيير التوازنات السياسية.
وبناءً على هذه المعطيات، يتبين أن الاستعراض الرقمي لنسبة 5.2 في المائة يمثل محاولة حكومية لامتصاص الاحتقان الاجتماعي المتزايد جراء موجات الغلاء الممتدة وتآكل الطبقة الوسطى، وهي الضغوط التي واجهها المغاربة بشكل مباشر في الأسواق ومواسم الأعياد الأخيرة؛ فالناخب المغربي الذي يتوجه إلى مكاتب التصويت في شتنبر لن يحتكم لتقارير المندوبية السامية للتخطيط أو تصريحات الناطق الرسمي، بل سيحسم خياره بناءً على واقع جيبه وقدرته الشرائية اليومية، وهو ما يضع السردية الرقمية للأغلبية أمام امتحان الحقيقة والواقعية السياسية والاجتماعية.







