مع دقات طبول كل محطة انتخابية، يعود إلى الواجهة مشهد مألوف في الحياة السياسية المغربية، يتجسد في الانبعاث المفاجئ لأحزاب صغيرة ومجهرية، تنتقل في لمح البصر من سبات عميق وغياب شبه تام عن النقاش العمومي إلى نشاط مكثف واستنفار غير مسبوق. هذه الظاهرة تضع الأدوار الحقيقية لهذه الهيئات على المحك، وتطرح تساؤلات جوهرية حول مدى امتلاكها لقواعد اجتماعية وتنظيمية فعلية، بعيداً عن منطق ما تصفه مصادر سياسية بـ”أحزاب المواسم الانتخابية” التي لا يُسمع لها صوت إلا عند اقتراب موعد الاقتراع.
ولا يكاد أثر هذه الكيانات يلامس الوعي الجماعي للناخب المغربي إلا من خلال رموز تجريدية تؤثث أوراق التصويت، بينما يتراجع حضورها الميداني والسياسي بشكل لافت بمجرد انتهاء الاستحقاقات.
ويرى متابعون للشأن الحزبي أن هذا الواقع يعكس أزمة بنيوية تتجاوز هذه التنظيمات في حد ذاتها، وترتبط بضعف التأطير السياسي وتراجع القدرة على بلورة مشاريع مجتمعية قادرة على استقطاب المواطنين وإقناعهم بجدوى الانخراط في العمل الحزبي.
وتتجلى إحدى أبرز مفارقات هذه الكيانات، وفق قراءات سياسية متقاطعة، في محدودية حضورها خلال المحطات المفصلية التي اختبرت تماسك المجتمع المغربي خلال السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تلملم جراح زلزال الحوز سنة 2023، وتواجه تداعيات الفيضانات التي ضربت عدداً من المناطق، وتعيش على وقع احتقان اجتماعي واحتجاجات قطاعية لافتة، من قبيل أزمة طلبة الطب وتوترات قطاع التعليم، لم يسجل لهذه الهيئات حضور سياسي أو تأطيري وازن.
وترى مصادر سياسية أن هذا الغياب ساهم في تعزيز الانطباع السائد لدى جزء من الرأي العام بأن بعض هذه التشكيلات تنظر إلى الانتخابات باعتبارها موعدها السياسي الرئيسي، أكثر مما تنظر إلى العمل التأطيري اليومي باعتباره وظيفة دائمة.
ولفهم شيفرة بقاء هذه الأحزاب على قيد الحياة السياسية رغم محدودية قواعدها التنظيمية، يكفي تتبع حركيتها قبيل الاستحقاقات الانتخابية، حيث تتحول إلى وجهة مفضلة للغاضبين والمنشقين عن التنظيمات الكبرى، أو لأولئك الذين أخفقوا في الحصول على التزكيات داخل أحزابهم الأصلية.
ووفق متابعين للمشهد الانتخابي، تعتمد هذه الكيانات بشكل كبير على استقطاب الأعيان وأصحاب النفوذ المحلي والمالي، مستفيدة من ظاهرة الترحال الحزبي لضمان حد أدنى من التمثيلية داخل المؤسسات المنتخبة، بما يتيح لها الحفاظ على وجودها والاستفادة من آليات التمويل العمومي المخصصة للأحزاب السياسية.
وأبعد من ذلك، يختلف الباحثون والمحللون السياسيون في تفسير دلالات هذا التناسل الحزبي. فبينما يعتبره البعض تعبيراً عن تعددية سياسية يضمنها الدستور، ترى قراءات أخرى أنه يساهم عملياً في تشتيت الخريطة الحزبية وإضعاف فرص تشكل أقطاب سياسية قوية ذات امتداد انتخابي واسع.
وفي هذا السياق، يربط عدد من المحللين بين استمرار حضور الأحزاب المجهرية وبين التعديلات التي عرفها الإطار القانوني المنظم للانتخابات، خاصة اعتماد القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية، وهو الإجراء الذي اعتبره مؤيدوه آلية لتوسيع التمثيلية، بينما رأى فيه منتقدوه عاملاً ساهم في إنعاش الأحزاب الصغيرة وتعزيز تشتت المشهد الحزبي.
وفي المحصلة، تميط ظاهرة “أحزاب المواسم” اللثام عن واحدة من أكثر الإشكالات إثارة للجدل داخل الحياة السياسية المغربية، حيث يتقاطع سؤال التعددية مع إشكالية الفعالية الحزبية والتمثيلية السياسية.
وبين من يرى في تعدد الأحزاب ضمانة للتوازن الديمقراطي، ومن يعتبره مدخلاً لتفتيت المشهد وإضعاف الفعل السياسي، يبقى النقاش مفتوحاً حول قدرة النسق الحزبي الحالي على إنتاج نخب سياسية قوية وقادرة على استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات التمثيلية، بعيداً عن الكيانات التي لا تستفيق إلا على وقع صناديق الاقتراع.







