الترحيب والارتياح الكبير الذي قُوبل به خبر مغادرة عدد من شباب “جيل زد” لسجن الدار البيضاء دليل على أن هذا البلد في حاجة إلى فسحة أمل وسط هذه العتمة التي صارت تتمدد، ومنطق “دوي ترعف” الذي صار سائدا.
لسنا ندعم التخريب والفوضى، بل ندافع عن الحق في الاحتجاج السلمي متى كانت أسبابه حاضرة.
شباب “جيل زد” كل جريمته أنه رفع مطلب الصحة والتعليم، وهما قطاعان ينخرهما فساد قديم، وتدفع بهما الدولة دفعا نحو القطاع الخاص لطي صفحة المجانية.
لقد انتظر الرأي العام أن يتم التعامل مع هذه الاحتجاجات بمؤشرات انفراج حقيقي يبث في النفوس نسمة أمل في أن السياسة في هذا البلد لا زالت على صلة بالشارع وبانتظاراته…
لكن الاحتجاجات قوبلت في بدايتها بجرعة زائدة من السلطوية.
حدث ذلك قبل أن ينفلت الوضع ونصبح أمام آلة حصاد خلطت بين من نهب وخرب ومن ارتدى قميصا بشعار يطالب فيه بمستشفى ومدرسة.
الذي حصل جعلنا أمام حقيقة عارية، وهي أن الماكينة السياسية معطوبة ومسلوبة القرار، لهذا استغرقت رحلة البحث عن حل أياما طويلة، قبل أن تتكلف الهراوات والأصفاد بالمهمة.
نتمنى صادقين، ونحن على أعتاب انتخابات منعت السلطة التشكيك في نتائجها، أن يكون الإفراج عن شباب “الطريق السيار” مقدمة لمسح جميع البقع السوداء عن الثوب الحقوقي للمملكة.
الحل يمر عبر إعادة الحرية للشباب الذين لم تتلطخ أيديهم بالتخريب، مع طي ملف الريف الذي لا يزال البعض يتاجر فيه عبر ضفتين.
لسنا بحاجة لهيئة إنصاف ومصالحة من جديد، فحين نقوم بنفس الشيء مرتين وبالطريقة ذاتها لا يمكن أن نتوقع نتيجة مختلفة،….واليوم يتأكد بالملموس أن بعض مسؤولينا لا يلتقطون الدروس… ولا يتعلمون منها، وأن أقصى همهم هو أن ينحنوا للعاصفة إلى أن تمر بسلام، ليكرسوا نفس أساليبهم.
لقد كانت احتجاجات جيل زد دليلا آخر على أن الأحزاب أصبحت جميعها في كرسي الاحتياط، وأن الفراغ يزحف ويكتسح، بعد أن استسلم الجميع لشروط اللعبة، بل واجتهدوا في ذلك.
احتجاجات “جيل زد” كانت محتومة ومتوقعة وقد تُنتج نسخة أخرى، فقد جرب المغاربة حكومات الساسة والتقنوقراط، وتعايشوا مع الوزراء الخالدين والمعمرين والملونين….وانتظروا بصبر من الدولة حكومة تحمل بصمة التغيير بوجوه جديدة قادرة على إبداع الحلول… وصنع الفرق ضمن الحقائب المسندة إليها، قبل أن يتضح لهم أن “السوق طايح”… وأن “حريريتنا حامضة” في الوقت الذي نُصر فيه على تغيير “المغارف”.
مطالب جيل زد هي ذاتها التي رفعتها اللجنة الملكية المكلفة بالنموذج التنموي، بعد تشريح دقيق لنسبة محترمة من الأعطاب التي تحرم المغرب من فرص التنمية الحقيقية والعيش الكريم.
أعطاب مزمنة تحول دون وضع البلد على سكة الديمقراطية والإصلاح، باعتبار أن عمل اللجنة جاء بعد إقرار أعلى سلطة في البلاد بفشل النموذج التنموي القديم الذي لا يزال ساري المفعول، وبعد تساؤلات همت “الثروة” والجدوى من وجود عدد من المؤسسات والمسؤولين.
تقرير يعد تجميعا شاملا وأكثر تفصيلا لعدد من التشخيصات التي صدرت في وقت سابق عن مؤسسات رسمية دقت بدورها ناقوس الخطر، وحذرت من أن الوقت ينفذ منا، وأن الاستمرار في لعب دور الإطفائي وعلاج الأزمات بـ”الأسبرين” لم يعد ينفع، في ظل المحاكمات والاعتقالات التي لاحقت عددا من الملفات.
تحد يحتاج أساسا لإرادة حقيقية من طرف الدولة لإحداث انفراج يبدد المخاوف المتنامية التي تحدث عنها التقرير، واسترجاع الثقة التي تأكد لدى أعضاء اللجنة أنها شبه مفلسة سواء تجاه مؤسسات الدولة أو مؤسسات الوساطة من أحزاب ونقابات، والتي قال التقرير إنها بحاجة إلى استرجاع مصداقيتها.
ورغم أن الأجواء السائدة حاليا، والطريقة التي تدبر بها عدد من الملفات، والاتجاه الذي تسير إليه الانتخابات المقبلة، تعطي انطباعا مقلقا، إلا أن ذلك لا يمنع من التمسك بغير قليل من الأمل في أن يقتنع من يهمهم الأمر بأن وقت التغيير في العقليات والممارسات قد حان.
ما يتعين التنبيه إليه هو أن الدولة ترتكب خطأ فادحا ومكلفا، ما دامت تعتقد أن الوهن الاحتجاجي يلعب في صالحها في كل مرة من خلال فرض شروطها على الطاولة، بدحرجة الإصلاح السياسي، والتعامل مع المطالب الاجتماعية المتراكمة بـ”القطارة” بدعوى الإكراهات المالية.
هذا في الوقت الذي تتزايد فيه حدة الغضب الشعبي من الحيف والظلم الاجتماعي، في ظل عدم ملامسة أي تغيير حقيقي في الحياة اليومية للمغاربة بعد سنوات طويلة من الانتظار.
هذا الرهان اتضح أنه أضعف قدرة مؤسسات الوساطة على التحرك وعزلها عن محيطها، وهو ما جعل الاحتجاجات ومظاهر السخط الاجتماعي تنحت لنفسها في مناسبات عدة مسارات تعبير خاصة وطارئة.
مسارات أزعجت الدولة وخلقت لها صعوبات في التعامل معها أو احتوائها، وهي أعراض جانبية لم يتم إلى الآن التعامل معها بحكمة أو استخلاص الدروس منها.







