من السهل دائمًا أن نُعلّق أجراس الخطيئة في رقبة الحلقة الأضعف، وأن نُحاضر في الفضيلة من داخل المكاتب المكيفة. هكذا تبدو خلاصة التقرير الأخير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي وضع المواطن المغربي في قفص الاتهام، مُشخصًا افتقاره إلى “السلوك المدني” في الفضاءات العمومية، ومُعددًا خطاياه من إخلال بالنظافة، وإحداث للضوضاء، وإتلاف للتجهيزات.
لا أحد، بطبيعة الحال، يُمكنه أن يُبرر العبث بالممتلكات المشتركة أو يدافع عن تحويل شوارعنا إلى مطارح مفتوحة للنفايات والضجيج العشوائي، فتلك مشاهد تدمي القلب قبل العين. لكن، ما يغيب عن لغة التقارير الرسمية، التي تبرع في وصف “المرض” وتخطئ في قراءة “أسبابه”، هو أن السلوك المدني ليس جينة وراثية نولد بها، ولا هو درس محفوظ يُلقن في المدارس، بل هو ثمرة طبيعية لعقد اجتماعي سليم، وشعور حقيقي بالانتماء، قبل أن يكون مجرد استجابة لخوف من غرامة أو عقاب.
قبل أن نطالب المواطن بأن يكون “سويسريا” أو “نرويجيًا” في سلوكه، أليس من باب الإنصاف أن نوفر له فضاءً عموميا يحترم آدميته؟ فالمؤسسات التي تستنكر اليوم جلوس الشباب على قارعة الطريق، وتشويههم للواجهات، هي ذاتها التي صممت مدنا إسمنتية قاحلة، تشبه “بقايا تشيرنوبل”، وتفتقر إلى المساحات الخضراء، وتغيب عنها أبسط المرافق الصحية العمومية.
كيف نطالب المواطن باحترام الفضاء العمومي والمحافظة عليه، في أحياء هامشية لا تصلها خدمات النظافة بانتظام، وتغيب عنها الحاويات، وتُترك فيها البالوعات والحفر مكشوفة لتبتلع المارة؟ ولعل مأساة الطفلة يسرى بمدينة بركان السنة الماضية خير دليل على ذلك، بعدما سقطت في بالوعة للصرف الصحي ظلت مفتوحة بحي “دوار جابر”، قبل أن تجرفها السيول وهي عائدة من دروس الدعم.
إننا، في الواقع، نطالب المغاربة باحترام “فضاء عمومي” متهالك، صُمم في الأصل ليكون طارداً لهم لا حاضناً لاجتماعيتهم. إن الفضاء الذي لا يحترم مستعمله، يُنتج تلقائيا مستعملاً لا يحترمه، وما نراه من تخريب أو إهمال ليس سوى رد فعل سيكولوجي واجتماعي عنيف ضد واقع عمراني وتنظيمي يعج بالقبح واللامبالاة.
والحال أن أزمة “السلوك المدني” لا تتوقف عند حدود البنية التحتية المهترئة، بل تمتد لتسائل “مثالية” المؤسسات ذاتها. فالدولة التي تبحث اليوم عن المواطن المثالي، “الكْيُوت”، المحافظ على الملك العام، يجب أن تسأل نفسها أولاً، هل تقدم له النموذج القدوة؟ المواطن البسيط، الذي يُطلب منه اليوم الانضباط الصارم في الشارع، هو نفسه الذي يرى مسؤولين ومنتخبين يغوصون في المال العام دون أن تطالهم يد المحاسبة، ويُعاين يوميا كيف تُنتهك القوانين من طرف بعض “الألبة وعلية القوم” في الطرقات والإدارات دون حسيب أو رقيب.
عندما يشعر الفرد بأن القانون يُطبق بانتقائية، وبأن المرفق العام هو غنيمة للمحظوظين وليس خدمة للمواطنين، يتبخر لديه الإحساس بـ”الملكية المشتركة”. التخريب، في جزء كبير منه، هو صرخة غضب مكتومة، وتعبير مشوه عن رفض تهميش ممنهج؛ فمن لا يشعر بأنه يمتلك نصيبا في هذا الوطن، لن يتردد في تكسير مصابيحه أو اقتلاع أشجاره، لأنه بكل بساطة يرى فيها ملكاً “لهم” وليس “له”.
الواقع أن التربية على المواطنة لا تُبنى بالمواعظ الجاهزة أو بالتلويح بالعقوبات البديلة، كما تقترح التوصيات الرسمية. العقوبات والقوانين الزجرية ضرورية لحفظ النظام العام، نعم، لكنها لن تصنع مجتمعا مدنيا متحضرا إذا لم تسبقها عدالة مجالية واجتماعية تُعيد الاعتبار للمواطن المقهور.
لا يمكننا أن نستمر في سياسة استيراد القيم الجاهزة لمحاولة إسقاطها بـ “الباراشوت” على واقع مجتمعي مليء بالتشوهات. وإذا أردنا سلوكا مدنيا راقيا في شوارعنا وملاعبنا ومرافقنا، فلتكن البداية من فوق؛ لِتُظهر مؤسساتنا وإداراتنا ونخبنا السياسية سلوكا مدنيًا في تدبير الشأن العام، ولترتقي بمدننا من مجرد “علب سردين” إسمنتية إلى فضاءات للعيش الكريم. حينها فقط، لن نحتاج إلى مذكرات وتقارير لتذكير المغاربة بنظافة شوارعهم، لأن من يسكن بيتا نظيفا ودافئا يحترم كرامته، سيقاتل بشراسة كي لا تتدنس عتبته.







