يبدو أن حلم الاستقلال الطاقي الذي طالما راود المغاربة منذ الإعلان عن اكتشاف حقل “أنشوا” البحري للغاز قبالة سواحل العرائش، لا يزال يواجه أمواجاً عاتية من التعقيدات التقنية والانسحابات المفاجئة للشركات الأجنبية.
ففي تقرير مفصل نشرته منصة “الطاقة” الدولية المتخصصة ومقرها لندن، تكشفت تفاصيل جديدة حول مسار أكبر حقل للغاز في المملكة، وهو مسار اتسم بالتأخير وتضارب التقييمات بين الشركات المنقبة، مما يطرح تساؤلات جدية حول موعد القطاف الحقيقي لثمار هذا المشروع الذي تعول عليه البلاد لتقليص فاتورة استيراد الطاقة الثقيلة.
وحسب التقرير الذي نقلته منصة “الطاقة”، فإن الحقل الذي اكتُشف لأول مرة عام 2009 ضمن منطقة ترخيص “ليكسوس”، كان يُنظر إليه كطوق نجاة سيوفر للمغرب ما يصل إلى مليار متر مكعب سنوياً، وهو ما يكفي لتغطية الاحتياجات المحلية من الغاز الطبيعي، بل وفتح آفاق للتصدير مستقبلاً.
غير أن هذه الآمال الكبيرة اصطدمت بواقع جيولوجي وتجاري معقد، تجلى في أوضح صوره مع الانسحاب الصادم لشركة “إنرجيان” اليونانية في مايو من عام 2025. وقد أرجعت الشركة، المدرجة في بورصتي لندن وتل أبيب، قرار تخارجها إلى نتائج مخيبة للآمال أسفرت عنها عمليات الحفر التقييمية في بئر “أنشوا-3″، معتبرة أن حجم الموارد المكتشفة لا يرقى لتطلعاتها الاستراتيجية، وأنه قد يكون مناسباً فقط لـ “شركة صغيرة”، لتترك بذلك فراغاً في مشروع كان يُروّج له على أنه يحمل احتياطيات ضخمة تبلغ 1.4 تريليون قدم مكعبة.
وعلى النقيض من هذه النظرة المتشائمة للعملاق اليوناني المنسحب، تنقل منصة “الطاقة” إصرار شركة “شاريوت إنرجي” البريطانية على المضي قدماً في المشروع، متشبثة بتقديراتها المتفائلة للثروة الغازية.
وبموجب صفقة التخارج اليونانية، استحوذت “شاريوت” على حصة الأسد بنسبة 75% من الحصص التشغيلية للحقل، فيما احتفظ المكتب الوطني للهيدروكربونات والمعادن بنسبته البالغة 25%. وتستند الشركة البريطانية في تفاؤلها إلى اكتشافها طبقات رملية حاملة للغاز الطبيعي داخل البئر الرئيسية، رغم إقرارها بأن البئر التجريبية الأولية واجهت تدفقاً للمياه أدى إلى انسدادها. وتضع الشركة نصب عينيها خطة مستقبلية تشمل حفر بئر أعمق في شمال الحقل لاستهداف موارد إضافية محتملة، في خطوة تهدف إلى تقليل المخاطر المحيطة بالآبار المجاورة في الجنوب.
وبين انسحاب تبرره الأرقام وبقاء تغذيه الآمال، يبقى الرأي العام المغربي في انتظار شفافية أكبر حول مآل ثرواته الدفينة.
فبعد مرور أكثر من عقد ونصف على إعلان الاكتشاف، لا يزال الغاز الموعود في أعماق المحيط الأطلسي حبيس البيانات الصحفية للشركات الأجنبية التي تتلاعب بتقييماتها صعوداً وهبوطاً، في حين يبقى الاقتصاد الوطني وحيداً في مواجهة تقلبات أسواق الطاقة العالمية، في انتظار أن يتحول حقل “أنشوا” من أرقام على الورق ومشاريع متعثرة، إلى شعلة غاز حقيقية تنير طريق التنمية في البلاد.







