يعتبر مصطلح ” الشناقة” من الانتاجات المفاهيمية الأكثر تعبيرا عن سلطة سماسرة السوق في علاقة المغاربة مع حياتهم الاقتصادية والاجتماعية. ولم يصل مدى هيمنة هذا المصطلح إلى المجال الثقافي والإعلامي إلا خلال السنوات الأخيرة. ظهرت ممارسات في الحقل الإعلامي تشبه، إلى حد كبير، ممارسة الشناقة في مجال سوق الخضر والفواكه واللحوم والاضحية. شناقة هذا الزمن الإعلامي قليلا ما يستعملون القلم. يجلسون خلف ميكرفونات، وبعض الكاميرات، لإعلان معاداة المواطنين وزرع ثقافة الكذب. ولا يقع هذا الفعل خارج تمويلات تحول بعض منتجي خطاب سلبي إلى ذوي حسابات بنكية بارصدة مريحة.
بدأت الحملات الانتخابية قبل شهور من انطلاقتها القانونية داخل المؤسسات الرسمية كالبرلمان والمجالس الترابية، وعلى تراب وسائط التواصل الاجتماعي أساسا. تشحد السكاكين الخطابية للايقاع بالمنافس ولو على حساب الثقافة وقيم النزاهة وكل قواعد العمل الصحافي الذي كان، إلى ماض قريب، يرتكز على الالتزام النسبي بالاخلاق. أصبح لزاما علينا أن نعترف بقوة العابثين بكل القيم، وبقدرتهم على الكذب وتحويله، بإعادة إنتاجه بوساءل هوجاء ، إلى حقيقة لها قيمة سوقية مربحة. ويجب أن نكتسب القوة المؤسساتية لفتح باب شفافية التمويلات التي تستهدف كل قيم العدالة عبر إنتاج خطابات مدفوعة الأجر. ولنا في بنية رأسمال الكثير من المؤسسات الإعلامية دليل عن تطويع بعض الصحافيين في سوق إنتاج المادة الصحفية. ولا زال جسم هؤلاء ينتفخ بفعل هرمونات هجينة تمتزج بفعل ” دوباج” يفعل فعلته في تهييج القدرة على الكذب وتصديقه.
اشبعنا صناع الكلام المباح أن أكبر القيم هي ” تمغربييت” ، وأن من يخالف ما اعتبره” الصناع” حقيقة مطلقة حول مقاييس ارتباط المواطن بالوطن. لا يربطون ” تمغربييت ” بتنزيل الدستور ، ولا بحماية الحريات، ولا بصيانة حرمة المؤسسات، ولا بمحاربة الفساد وكل أوجه الاغتناء السريع وغير المشروع. سيظل الانتماء لبلد عريق، ولنظام سياسي متجدر في تربة هذا الوطن، ولثقافة أساسها الشورى والانتماء إلى فضاء مليء بالتعبيرات عن قدسية الجسد المغربي المتنوع، وغير القابل للظلم وللتفاوتات الاجتماعية والمجالية، هو الإطار المحدد لحب الوطن ولقبول التضحية من أجله.
أصبحت كلمة ” تمغربييت ، التي يحاول المتكلمون باسمها ، تحميلها خطابا رجعيا ينعت كل منتقد للفعل السياسي والاقتصادي والثقافي بغياب حسه بما يحدق بالوطن من مخاطر. وهذا يعني أن ، من، ارتضوا لانفسهم محاسبة الغير ، قادرون على إعادة إنتاج ما اقترفته الكنيسة الكاثوليكية خلال فترة الاغتناء عبر بيع صكوك الغفران. ولا أظن أن هؤلاء أكبر ذكاء من تجار الدين واساليبهم التي مر عليها أكثر من سبعة قرون. ومن غرائب الصدف أن يتزامن وصول هؤلاء إلى ساحات التواصل مع أزمة سياسية مست بالاساس البنية الحزبية الوطنية، وخصوصاً مكوناتها الديموقراطية واليسارية.
و لما ظهر بالملموس أن الحكومة الحالية، ورغم استعمالها لأسلحة متنوعة في مجال الاعلام، لم تكن قادرة على مواجهة عدد قليل من نواب المعارضة. تبين بالملموس أن رئيس الحكومة يصاب بضغط نفسي كبير كلما حضر إلى البرلمان. قلة من النواب كانت لها القدرة على تطويق خطاب الأغلبية ذات العدد وغياب العدة. وحاولت بعض مكوناتها أن تتبنى، بكثير من الحذر، خطاب المعارضة. ويتعلق الأمر في هذا الصدد بخطاب حزب الاستقلال حول الشناقة وتضارب المصالح. وكان هجوم مناضلي ” تمغربييت” غير المعترف بهم شعبيا وصحافيا، على كل من يريد بالمغرب خيرا، سببا في زيادة حضور المعارضة. وعاد عبد الإله بنكيران إلى الساحة بكثير من الصبر وإعادة الوهج الشعبي بفضل من يهاجمونه. وصل الأمر بهؤلاء إلى القيام بمحاولة ” إغتيال” حزب عبر خطاب استئصالي ينتمي إلى زمن سنوات الرصاص. وظل بن كيران يعيد،بكثير من الذكاء، بناء حزبه مستفيدا من منتقديه الذين يسكنهم غباء واضح المعالم. وأصبح البرلماني الطبيب بوانو مرشحا ” للكرة الذهبية” لأحسن برلماني خلال كل سنوات قيادة حزب الأحرار للحكومة. ولا أظن أن ما حصل للمغاربة من اضعاف قوتهم الشرائية، وحرمانهم من الولوج الحقيقي إلى الصحة والتعليم وكثير من الخدمات الاجتماعية، واغتناء كبير لأقلية على حساب أغلبية الفءات الاجتماعية ذات الدخل المحدود، سوف لن يكون له أثر على علاقة المغاربة بمؤسساتهم. من يدبر حكومة بمنطق الشناقة الذين يتقنون تحويل تفسير الاغتناء غير المشروع، وتضارب المصالح باستعمال قاموس التبرير الليبرالي الذي يبيح كل الأرباح ولو كانت تتجاوز قمم الهمالايا.







