مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، يجد المغرب نفسه أمام منعطف سياسي حاسم يتجاوز مجرد تغيير الوجوه أو إعادة توزيع المقاعد. إنها لحظة للمكاشفة الوطنية حول جدوى العمل المؤسساتي وجدية الفعل السياسي. وفي قلب هذا المنعطف، يبرز اليسار المناضل (المتمثل في فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد) ليس فقط كبديل سياسي، بل كضرورة وطنية ملحة لعودة الروح للسياسة كفعل مواطناتي نبيل، و لإنقاذ المؤسسة التشريعية من الرتابة وتغول لوبيات الفراقشية و المصالح الضيقة. إن إنصاف هذا اليسار انتخابياً وتبوئه لمكانة قوية في البرلمان المقبل هو مدخل أساسي لاستعادة التوازن المفقود، و لإحياء الأمل في مغرب الديمقراطية و الكرامة و العدالة الاجتماعية.
لا يزال المغاربة يتذكرون الأداء الاستثنائي والدينامية التي خلقها البرلماني الشاب عمر بلافريج ورفيقه مصطفى الشناوي عن فيدرالية اليسار خلال الولاية التشريعية 2016/ 2021، واللذان قدما نموذجاً للبرلماني المتصل بنبض الشارع، المتابع للميزانيات بدقة، والمدافع الشرس عن المدرسة و الصحة العموميتين والمرفق العام. و استمر هذا الخط النضالي بتميز كبير عبر المواقف القوية والمشرفة لكل من النائبة البرلمانية الأستاذة فاطمة التامني والدكتورة نبيلة منيب.
لقد شكلت مداخلاتهما وتساؤلاتهما جدار صد حقيقي ضد القرارات غير الشعبية، وصوتاً راديكالياً في تعرية الاختلالات بكل شجاعة ومسؤولية، و صوتا للمستضعفين في ربوع الوطن. كما لا يمكن عزل هذا الأداء عن الدور التاريخي لمجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل (المركزية النقابية المحسوبة على اليسار المناضل) بمجلس المستشارين؛ حيث تميزت بتقديم مشاريع قوانين ومقترحات ذات أبعاد استراتيجية واجتماعية، وفي مقدمتها مشروع تأميم مصفاة ‘سامير’ لحماية الأمن الطاقي للمغرب، ومقترح تسقيف أسعار المحروقات لحماية القدرة الشرائية للمواطنين من جشع اللوبيات.
و في وقت تعيش فيه الساحة السياسية على وقع ملاحقات قضائية لعدد من منتخبي أحزاب الأغلبية والمعارضة البرلمانية بتهم الفساد ونهب المال العام، يبرز تحالف اليسار كاستثناء قاطع: تخلو قوائم اليسار تماماً من “الأعيان المفسدين” وتجار الانتخابات، وهناك رفض مطلق لاستعمال “المال الحرام” أو استغلال حاجة بعض المواطنين لشراء الذمم. إن اليسار يدخل المعترك الانتخابي متسلحاً بقيم الاستقامة، والنزاهة، وبأطر كبرى متمرسة ونظيفة، تضع كفاءتها في خدمة المصلحة العامة لا في خدمة مراكمة الثروات وتضارب المصالح.
كما يتواجد مناضلات ومناضلو اليسار بشكل دائم في جل المحطات النضالية الشعبية، وفي مقدمة كبريات الجمعيات الحقوقية والمنظمات النقابية الحية والمستقلة مدافعين عن الناس و حاملين لهمومهم و متواجدين بالقرب منهم
يقف اليسار أيضا بثبات ضد الفساد والاستبداد محافظا على استقلاليته عن المخزن و عن لوبيات المال، ويقود جبهة الرفض الشعبي للتطبيع، انطلاقاً من ارتباطه العضوي بالقضايا العادلة للشعب المغربي وللأمة.
كما يتميز هذا اليسار بأنه لا يحمل تركة تسيير أو تدبير حكومي سابق، ولم يشارك في إنتاج السياسات النيوليبرالية التي أثقلت كاهل المغاربة بالمديونية والغلاء. إنه تاريخ حافل بالتضحيات الجسام ورفض المساومات على حساب حقوق الكادحين.
إن التصويت لليسار المناضل وتمكينه من كتلة برلمانية قوية ومؤثرة في انتخابات 2026 ليس مجرد دعم لحزب سياسي، بل هو استثمار في مستقبل الوطن، لسببين جوهريين:
فهو يعني أولا إنهاء زمن “البلوكاج الفكري” وعودة النقاش الحقيقي حول البرامج، والسياسات العمومية، والعدالة الاجتماعية، وإحياء السجال الفكري الراقي حول حاضر المغرب ومستقبله بدلاً من صراعات المواقع والمنافع. و استعادة الأمل في تبلور قوتين( يسار و يمين)، تسمح باستعادة الأمل في وضع حزبي واضح و تنافس مؤسساتي على أساس البرامج كما في الديمقراطيات الناجحة و المستقرة.
و يعني ثانيا، تغيير ميزان القوى، بحيث أن وجود قوة مؤسسية حقيقية لليسار داخل البرلمان سيعيد صياغة ميزان القوى لصالح الشعب، ويشكل قوة ردع حقيقية وحائط صد منيع أمام تمادي المفسدين في نهب المال العام، ومسلسل الخوصصة المتوحشة للمرافق الحيوية، وتغول تضارب المصالح وسطوة الرأسمال على القرار السياسي.
إنها دعوة لكل الغيورين على هذا الوطن، لكل المغاربة الحالمين بمغرب الكرامة والعدالة، لكل الشباب، للمهمشين و العمال، للطبقة البورجوازية النزيهة، للمعطلين و الموظفين، لإنصاف أنفسهم أولاً عبر إنصاف اليسار المناضل في صناديق الاقتراع







