لم يكن اختيار حزب التجمع الوطني للأحرار لمدينة مراكش للإعلان عن وعود جديدة في مجال التشغيل مجرد اختيار تنظيمي أو جغرافي، بقدر ما حمل، وفق مصادر مطلعة، رسائل سياسية واضحة في ظرفية يواجه فيها الحزب الحاكم أسئلة متزايدة حول حصيلته الاقتصادية والاجتماعية مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية.
ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام تقديم حصيلة دقيقة بشأن أحد أبرز الالتزامات الانتخابية لسنة 2021، اختار الحزب فتح صفحة جديدة من الوعود تمتد إلى ما بعد الانتخابات المقبلة، من خلال إعلان عضو مكتبه السياسي، وزيرة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، فاطمة الزهراء عمور، عن برنامج يستهدف إحداث 200 ألف منصب شغل سنوياً بين 2026 و2031، مع خفض معدل البطالة إلى 9 في المائة.
غير أن هذا الإعلان، بحسب المصادر، لم يجب عن السؤال الذي ظل يلاحق الأغلبية الحكومية منذ بداية ولايتها، والمتعلق بمآل الوعد الذي رفعه رئيس الحكومة عزيز أخنوش خلال الحملة الانتخابية لسنة 2021، والقاضي بإحداث مليون منصب شغل مباشر. وبدل تقديم كشف حساب سياسي يوضح ما تحقق وما تعثر، بدا أن الحزب يفضل نقل النقاش من تقييم الحصيلة إلى تسويق تعهدات جديدة تمتد إلى ولاية حكومية لم تبدأ بعد.
وفي هذا السياق، يرى “محمد أيت كزول” الباحث في السياسات العمومية، أن الرهان على أفق سنة 2031 ليس معزولاً عن منطق التواصل السياسي الذي تلجأ إليه الأحزاب عندما تصبح حصيلتها محل نقاش.
ويوضح في اتصال هاتفي مع “نيشان” أن نقل سقف الوعود إلى ولاية مقبلة يسمح بإعادة صياغة النقاش العمومي بعيداً عن الأرقام الحالية، مستفيدا في ذلك من الدينامية التي فرضها استعداد المغرب لاحتضان كأس العالم 2030.
وبحسب المصدر ذاته، فإن تقديم المونديال باعتباره رافعة لإحداث نحو 100 ألف منصب شغل سنويًا يمنح الحزب مخرجًا سياسيًا لتبرير استمرار أزمة البطالة، في وقت يفترض فيه أن تكون معالجة هذا الملف نتيجة إصلاحات اقتصادية هيكلية، لا رهينة بحدث رياضي مهما كانت أهميته.
وفي مقابل هذا الخطاب، أثارت الأرقام التي قدمتها الوزيرة بشأن إحداث 850 ألف منصب شغل منذ سنة 2021 نقاشا واسعا، خاصة أنها جاءت في وقت ما تزال فيه المؤشرات الرسمية ترسم صورة مغايرة لسوق الشغل. فالمندوبية السامية للتخطيط ما فتئت تؤكد استمرار البطالة عند مستويات مرتفعة تجاوزت 13 في المائة، وهو ما يطرح، وفق اقتصاديين، علامات استفهام حول المنهجية المعتمدة في احتساب هذه المناصب.
وتؤكد مصادر نيشان أن الأرقام الحكومية تقوم على احتساب مجموع فرص الشغل المحدثة دون احتساب المناصب التي فُقدت خلال الفترة نفسها، خصوصًا بالعالم القروي الذي تأثر بشكل كبير بتوالي سنوات الجفاف. كما تشير إلى أن جزءًا مهما من هذه المناصب يرتبط ببرامج ظرفية، من قبيل “أوراش” و”فرصة”، وهي برامج ساهمت في التخفيف من آثار البطالة خلال فترات محددة، لكنها لم تنجح، بحسب عدد من الخبراء، في إنتاج مناصب شغل مستقرة أو تحقيق إدماج دائم داخل النسيج الاقتصادي.
وتزداد حدة هذا التناقض، وفق مصادر اقتصادية مختصة، عندما يقارن الخطاب الرسمي حول التمكين الاقتصادي بواقع بطالة الشباب، التي لا تزال تدور عند مستويات مرتفعة تقارب 30 في المائة. فبينما تتحدث “حكومة أخنوش” عن تعبئة استثمارات تناهز 800 مليار درهم في أفق سنة 2030، يظل السؤال المطروح هو مدى قدرة هذه الاستثمارات على خلق فرص شغل قارة، وليس فقط تحسين المؤشرات الكلية أو إنجاز مشاريع كبرى ذات أثر مؤقت على سوق العمل.
وفي المحصلة، يرى مراقبون أن التعهد الجديد الذي رفعه حزب “الحمامة” لا يمثل قطيعة مع الخطاب السابق بقدر ما يعكس إعادة ترتيب للأولويات السياسية. فبعد أن كان الوعد الانتخابي يتحدث عن مليون منصب شغل خلال ولاية واحدة، انتقل السقف اليوم إلى 200 ألف منصب سنوياً على مدى ست سنوات، وهو ما يقرأه منتقدو الحزب باعتباره محاولة لإعادة تدوير الوعود وترحيل كلفة المحاسبة السياسية إلى ما بعد سنة 2026، في وقت لا يزال فيه آلاف الباحثين عن الشغل ينتظرون ترجمة الوعود السابقة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.







