أين وصل ملف المحروقات؟
هذا السؤال القديم الجديد عاد ليُطرح، في انتظار أن نعرف أيضاً حقيقة الدور الذي يقوم به “محامي الشيطان” في هذا الموضوع الساخن الذي طال أكثر من اللازم. وهنا نقصد مجلس المنافسة.
شركات المحروقات تبدو راضية بدورها بهذا الهدوء المؤقت بعد أن خمدت الحرب الإيرانية الأمريكية.
هدوء تحاول الحفاظ عليه من خلال الإبقاء على السعر شبه ثابت، مع تخفيض بـ”القطارة”، وعدم فرض أي زيادة مستفزة قد تفتح عليها أبواب الغضب الشعبي من جديد.
وحتى لا يعتقد لوبي المحروقات بأن المغاربة يستسلمون للذاكرة القصيرة بفعل توالي الأحداث والوقائع التي تعج بها مواقع التواصل، والتي تُرمى تباعاً كعظمة، تماماً كما قال لحسن الداودي، وزير الحكامة السابق، فإننا نُذكِّر، من جديد، بأن هذه الشركات لم تقم بتخفيض ثمن المحروقات التي تم استيرادها خلال فترة الحجر الصحي، بعد أن انهارت أسعار النفط وصار ثمن البرميل أقل من 16 دولار.
حينها أجمع المحللون على أن أسعار المحروقات بالمغرب، التي ترتفع فقط، ستعرف انخفاضاً واقعياً وكبيراً بعد نفاد المخزونات القديمة، والشروع في بيع المحروقات التي تم شراؤها من السوق الدولية بثمن جد بخس، حتى ولو تعلق الأمر بسوق “برنت”، الذي حاول أحد الوزراء الاحتماء به ليدافع عن شركات المحروقات، لكن لا شيء من هذا حدث.
كنا نأمل أن يبادر مجلس المنافسة إلى التحلي بالشجاعة، والقيام بدوره في أقرب وقت، لأن جيوب المغاربة تعرضت لاستنزاف دام لسنوات، لكن يبدو أن السي رحو فهم اللعبة وقواعدها منذ الانقلاب الذي تم فجراً على “الكراوي”، الرئيس السابق للمجلس.
هو أمر تتحمل مسؤوليته الكاملة حكومة بنكيران، التي قامت بتحرير ارتجالي للأسعار، الأمر الذي فتح الباب مشرعاً أمام لوبي المحروقات، الذي نعلم جميعاً من هو “عرابه”، ومن يتحكم فيه، ومن دعا إلى الهاشتاغ المطالب برحيله، ومن كانت صورته حطباً لحملة المقاطعة.
كما تتحمل المسؤولية أيضاً حكومة العثماني، التي باعت الوهم للمغاربة من خلال حكاية التسقيف، التي تحولت إلى فضيحة تاريخية ستظل تلاحق هذه الحكومة، ورئيسها، وأيضاً الوزير الداودي، الذي أشبعنا صراخاً ووعيداً وضجيجاً، قبل أن يرحل بكثير من الهدوء، لنكتشف أن الرجل كان يمزح فقط.
اليوم، من الطبيعي أن نعاين رئيس الحكومة الحالية، الذي يحتكر 47% من سوق المحروقات، وهو يجني ثمار تحرير الأسعار ويضاعف ثروته، فيما تحصل الدولة أيضاً على عائدات ضريبية ضخمة ناهزت 9 مليارات درهم من المحروقات خلال 7 أشهر فقط بعد رفع سعرها.
هذا يعني أن الشركات تحلب جيب المواطن، أما الدولة، فما دامت تربح من العملية، فمن الطبيعي أن تصمت.
هذا لأن الشناقة أنواع… هناك من يهيم في الأسواق وينفخ نار الغلاء في خراف أو نعاج أو شحنات طماطم وبصل…
ومنهم من يرتدي ربطة عنق، ويرأس حزباً وحكومة، ويمص جيوب شعب بأكمله في محطات الوقود، فقط لأنه أكبر تاجر للمحروقات في البلاد.
مخطئ من يسعى إلى تصوير المغاربة كـ”شعب مضروب على كرشه”. فاليوم لم يعد الخطر يأتي من شناقة السمك والأضاحي والزيت والبيض فقط، بل من الشناقة الكبار الذين يتحكمون في عصب الاقتصاد من خلال الصفقات والعمولات الكبرى، وتحديداً المحروقات، التي تكفي زيادة بسيطة فيها لنفخ نار الغلاء في عدد من السلع والخدمات.
اليوم، الاحتجاجات التي صارت تنفلت من الهوامش كما حصل في انفكو…هي إشارة صريحة وواضحة إلى أن صبر الناس قد نفد….
وأن الغضب قد يسيل مجددا من الهواتف ليمتد للشارع.







