مرة أخرى، تصدرت صناعة السيارات قائمة الصادرات المغربية، بعدما تجاوزت مبيعاتها الخارجية 77 مليار درهم ( حوالي 7700 مليار سنتيم) مع نهاية شهر ماي 2026، وفق معطيات مكتب الصرف. غير أن هذا الرقم، الذي يُقدَّم عادة باعتباره دليلاً على نجاح النموذج الصناعي المغربي، يثير في المقابل أسئلة تتجاوز قيمة الصادرات في حد ذاتها، لتطال حجم القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني فعليا، ونصيب المغاربة من هذه العائدات الضخمة. فهل تعني مليارات التصدير، بالضرورة، أن مليارات مماثلة تستقر داخل الاقتصاد المغربي؟
ورغم أن قطاع السيارات نجح خلال العقدين الأخيرين في تحويل المغرب إلى واحدة من أبرز منصات التصنيع والتصدير في المنطقة، فإن أرقام الصادرات، مهما بلغت، لا تعكس وحدها حجم الثروة التي يخلقها هذا القطاع داخل البلاد. فبين قيمة ما يغادر الموانئ المغربية من سيارات ومكونات، وبين ما يبقى فعليًا داخل الدورة الاقتصادية الوطنية، توجد حلقات إنتاج معقدة ترتبط بالاستيراد، وسلاسل التوريد، وتحويل الأرباح، وهي عناصر تجعل الأثر الاقتصادي الصافي أقل من الرقم المعلن.
وفي اتصال هاتفي مع “نيشان“، أوضح “عبد اللطيف السراجي” الباحث في الاقتصاد السياسي بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن الاحتفاء بإجمالي الصادرات، دون ربطه بحجم القيمة المضافة التي يحتفظ بها الاقتصاد الوطني، يقدم صورة غير مكتملة عن واقع القطاع.
وأشار إلى أن نسبة الإدماج المحلي، التي تقول السلطات إنها بلغت نحو 69 في المائة، تمثل تطورا مهمًا، لكنها تعني في المقابل أن أكثر من 30 في المائة من مكونات السيارة، خصوصا ذات القيمة التكنولوجية المرتفعة، لا تزال تستورد من الخارج، بما في ذلك المحركات وعلب السرعة والأنظمة الإلكترونية، وهو ما يترتب عنه خروج جزء مهم من عائدات التصدير لتمويل هذه الواردات.
ولا يتوقف الأمر عند حدود المكونات المستوردة، إذ إن طبيعة الرأسمال الذي يقود القطاع تطرح بدورها أسئلة حول حجم الثروة التي يستفيد منها الاقتصاد الوطني. فالمشهد الصناعي تهيمن عليه مجموعات عالمية كبرى، على رأسها “رونو” و”ستيلانتيس”، استفادت خلال السنوات الماضية من منظومة واسعة من التحفيزات الضريبية والعقارية واللوجستية التي راهن عليها المغرب لاستقطاب الاستثمار الصناعي. وبينما أسهم هذا الخيار في رفع الإنتاج والصادرات، فإن جزءًا مهمًا من الأرباح المتأتية عن هذه الأنشطة يتم تحويله، وفق الآليات القانونية المعمول بها، إلى المقرات الرئيسية لهذه الشركات، ما يقلص من حجم العائد المالي الذي يبقى داخل الاقتصاد الوطني.
وفي هذا السياق، يرى “السراجي” أن المؤشر الحقيقي لنجاح أي صناعة لا يقاس فقط بحجم صادراتها، وإنما أيضًا بقدرتها على خلق قيمة مضافة محلية مرتفعة، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز استقلالية النسيج الصناعي الوطني، معتبرًا أن هذه المؤشرات لا تزال تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه صناعة السيارات بالمغرب.
وفي المقابل، يبقى الأثر الأكثر مباشرة لهذا القطاع متمثلاً في التشغيل، إذ توفر منظومة صناعة السيارات ما يناهز 230 ألف منصب شغل. غير أن طبيعة هذه المناصب تثير بدورها نقاشا حول جودة القيمة المضافة التي تنتجها. فجزء كبير منها يتركز في أنشطة التجميع وصناعة الأسلاك الكهربائية، التي حققت وحدها صادرات تقارب 29 مليار درهم، وهي أنشطة تعتمد على كثافة اليد العاملة أكثر من اعتمادها على التكنولوجيا العالية، فيما تظل مستويات الأجور، في جزء مهم منها، قريبة من الحد الأدنى للأجر أو أعلى منه بهامش محدود، وهو ما يفسر استمرار الفجوة بين الأرقام القياسية التي يحققها القطاع وبين انعكاسها على القدرة الشرائية لشريحة واسعة من العاملين فيه.
كما لا تزال المقاولات المغربية، خصوصا الصغيرة والمتوسطة، تجد صعوبة في الاندماج داخل سلاسل القيمة الخاصة بالمصنعين العالميين، رغم مرور سنوات على إطلاق استراتيجية تسريع التنمية الصناعية. فباستثناء عدد محدود من الموردين المحليين، ما تزال الحصة الأكبر من عقود التوريد الصناعي ذات القيمة المضافة المرتفعة تذهب إلى شركات أجنبية، بينما ينحصر حضور عدد كبير من المقاولات الوطنية في خدمات المناولة أو الأنشطة اللوجستية والمساندة، وهو ما يحد من الأثر المضاعف الذي يفترض أن تحدثه هذه الاستثمارات داخل النسيج الاقتصادي الوطني.
ولا يعني ذلك التقليل من التحول الذي عرفته صناعة السيارات بالمغرب، بعدما أصبحت أول قطاع مصدر للمملكة، لكن هذا النجاح يفتح، في المقابل، نقاشًا متجددًا حول طبيعة النموذج الصناعي الذي تم بناؤه خلال العقدين الماضيين.
فكلما ارتفعت أرقام الصادرات، ازدادت الحاجة إلى قياس ما يبقى منها داخل الاقتصاد الوطني، لا ما يغادره في شكل واردات للمكونات أو تحويلات للأرباح، وإلى تقييم مدى قدرة هذا النموذج على خلق صناعة وطنية أكثر اندماجا، قادرة على إنتاج التكنولوجيا، ورفع مساهمة المقاولة المغربية في سلاسل القيمة، وتحويل النمو في الصادرات إلى أثر اقتصادي واجتماعي ينعكس بصورة أوضح على دخل الأسر والاقتصاد المحلي، بدل أن يبقى نجاحا تقيسه جداول الإحصائيات أكثر مما يلمسه المواطن في حياته اليومية.







