يُحرجنا هذا المنتخب كلما انتصر. ليس لأنه يرفع سقف أحلامنا، بل لأنه يذكرنا بأن النجاح ليس معجزة، وإنما نتيجة طبيعية عندما تُدار الأمور بالكفاءة لا بالمجاملة. وما فعله رجال محمد وهبي أمام هولندا، فجر اليوم الثلاثاء، لم يكن مجرد تأهل مستحق إلى محطة جديدة في مونديال 2026، بل كان دليلاً جديدا على أن المغاربة، متى وُضعت الثقة في أهل الاختصاص، قادرون على منافسة أفضل المدارس في العالم.
هذا المنتخب يحرجنا لأنه يفضح، من حيث لا يقصد، الطريقة التي تُدار بها قطاعات كثيرة خارج المستطيل الأخضر. ففي كل مرة يحقق فيها إنجازا، يعيد طرح السؤال نفسه “إذا كانت الكفاءة قادرة على أن تصنع منتخبا ينافس كبار العالم، فلماذا نعجز عن جعلها القاعدة في قطاعات أخرى أكثر التصاقا بالحياة اليومية للمواطنين؟
محمد وهبي لم يخترع كرة القدم، ولم يأت بلاعبين من كوكب آخر. فعل شيئًا يبدو بديهيا في الدول التي تحترم نفسها، اختار الأفضل، ومنح الثقة لمن يستحقها، وبنى فريقًا على أساس الانضباط والكفاءة، لا على قاعدة إرضاء هذا أو غض الطرف عن ذاك. قد تبدو هذه وصفة عادية، لكنها في “تدبير الشأن العام” كثيرا ما تتحول إلى استثناء.
في المنتخب، لا أحد يسأل عن اسم عائلة اللاعب، ولا عن الجهة التي ينتمي إليها، ولا عن شبكة علاقاته. السؤال الوحيد هو “ماذا تستطيع أن تقدم فوق أرضية الملعب؟” وإذا أخطأت، فإن ملايين المشاهدين يرون ذلك في اللحظة نفسها. لا لجنة ستبرر، ولا تقرير سيخفف من وقع الهزيمة، ولا “ناطق رسمي” سيقنع الناس بأن الفشل كان، في الحقيقة، مجرد سوء فهم.
لهذا، لم يعد نجاح الكرة المغربية مجرد مناسبة للاحتفال، بل صار امتحانا لبقية المؤسسات. فكيف لبلد استطاع أن يبني منتخبا ينافس كبار العالم، أن يعجز أحياناً عن بناء إدارة بالمنطق نفسه؟ ولماذا تبدو الكفاءة شرطا لا نقاش فيه داخل المنتخب، بينما تتحول في قطاعات أخرى إلى مجرد احتمال من بين احتمالات كثيرة؟
لسنوات، كان البعض يردد أن كرة القدم وسيلة لإلهاء الشعوب. لكن التجربة المغربية تقول شيئًا مختلفًا تماما. فالكرة أصبحت أكثر القطاعات قدرة على فضح أعطابنا، لأنها تثبت، بالنتائج لا بالشعارات، أن المشكلة لم تكن يوما في المغربي، بل في الطريقة التي نختار بها من يقود المؤسسات ويديرها.
عندما استثمر المغرب في التكوين، وفي البنيات التحتية، وفي الاستقرار التقني، جاءت النتائج. لم يحدث ذلك بالصدفة، ولم يكن ضربة حظ، بل كان ثمرة منطق بسيط، اختيار الكفاءة، ثم منحها الوقت والإمكانات، وربطها بالمحاسبة.
وهذا بالضبط ما نفتقده خارج الملاعب.
لا يحتاج المغرب إلى وزراء يتقنون رسم المخططات على الورق، بقدر ما يحتاج إلى مسؤولين يؤمنون بالفلسفة نفسها التي صنعت هذا المنتخب، ألا وهي الكفاءة قبل الولاء، والنتيجة قبل الخطاب، والمحاسبة قبل التبرير.
عندما تصبح هذه القاعدة هي الأصل لا الاستثناء، لن يعود انتصار المنتخب حدثًا نهرب إليه كلما تعثرت قطاعات أخرى، بل سيصبح انعكاسًا طبيعيا لبلد قرر أن يدير نفسه بالعقلية نفسها التي انتصر بها في الملاعب.







