مجلس المنافسة ليس مجرد هيئة إدارية، بل مؤسسة دستورية نص عليها الفصل 166 من دستور 2011، يُعيّن الملك رئيسها وعدداً من أعضائها، وتختص بمراقبة المنافسة الحرة والمشروعة في السوق، بما في ذلك المهن الحرة المنظمة. سبق لهذه المؤسسة أن أصدرت عدة آراء وتوصيات للحكومة في ملفات حساسة، لم تجد طريقها إلى التنفيذ. فإلى متى ستستمر حكومة عزيز أخنوش في تجاهل هذه المؤسسة الدستورية؟ وهل للأمر علاقة بانتقام سياسي بعد أن فتح المجلس ملف أسعار المحروقات وملف دعم استيراد المواشي؟
هذه الأسئلة تطرح نفسها بقوة اليوم، بعد أن أصدر مجلس المنافسة رأيه رقم 102/دي/2026 بتاريخ 25 ماي 2026، بعد أيام قليلة فقط من مصادقة مجلس النواب على مشروع القانون رقم 66.23 المنظم لمهنة المحاماة. الرأي يُخضع شروط الولوج والممارسة لاختبار التناسبية، ويُوجه انتقادات مباشرة لعدة مقتضيات، أبرزها سقف السن وتكاليف الانخراط، مع موقف متوازن من المسارات البينمهنية.
سقف السن 45: قيد غير مبرر يُقصي الكفاءات
يُخصص التقرير حيزاً تحليلياً مهماً لشرط السن المنصوص عليه في المادة 5. كان مشروع الحكومة قد اقترح تخفيضه إلى 40 سنة، غير أن البرلمان أبقى على 45 سنة.
مجلس المنافسة يرى أن هذا السقف يشكل قيداً تنظيمياً غير مبرر، لأنه لا يعكس بالضرورة مستوى الكفاءة أو الجاهزية المهنية، ويحول دون ولوج كفاءات راكمت خبرات مهنية سابقة. والأهم أن معظم الأنظمة القانونية المتقدمة لا تعتمد أي سقف عمر أقصى للولوج إلى مهنة المحاماة.
التوصية الواضحة: إلغاء سقف السن 45 سنة واستبداله بمعايير موضوعية قائمة على المؤهلات والكفاءة الفعلية.
واجبات الانخراط: حاجز مالي يُضعف تكافؤ الفرص
ينتقد التقرير بشدة التفاوت الكبير في رسوم الانخراط بين الهيئات (من 100 ألف إلى أكثر من 400 ألف درهم)، وغياب أي سقف وطني أو معايير موضوعية. هذه الرسوم تتحول عملياً إلى عائق مالي أمام فئات واسعة من المترشحين، وقد تُفسر جزئياً الفجوة بين عدد الناجحين وعدد المسجلين فعلياً.
التوصية: التعامل معها كرسوم إدارية رمزية، مع إرساء نظام اشتراكات سنوية تتناسب مع حجم النشاط المهني.
الولوج البينمهني: انفتاح مشروط بالتفرغ التام
يُرحب المجلس بفتح مسارات بينمهنية مرنة لفئات تمتلك خبرة قانونية حقيقية، لكنه يضع شروطاً صارمة:
موظفو هيئة كتابة الضبط وأطر المصالح القانونية والمنازعات بالإدارات العمومية والمستشارون القانونيون بالمقاولات: يُوصى بآليات إدماج مرنة تشمل إعفاءات جزئية من بعض الشروط، مع اختبار كفاءات فردي، وإلزامية التفرغ التام لمهنة المحاماة.
أساتذة التعليم العالي في القانون: يدعم ولوجهم مع تمرين سنة واحدة، لكنه يُحذر من الجمع بين الوظيفة الأكاديمية والممارسة المهنية في آن واحد، لما قد يُحدثه من اختلال تنافسي.
الرهان السياسي والمؤسساتي
يأتي هذا الرأي في سياق توتر سابق بين مجلس المنافسة والحكومة. فقد سبق للمجلس أن أصدر آراء وتقارير في ملفات حساسة مثل أسعار المحروقات ودعم استيراد المواشي، ولم تجد بعض توصياته طريقها إلى التنفيذ. اليوم يعود المجلس ليُقدم رأياً مفصلاً حول مشروع قانون يهم مهنة المحاماة، وهي مهنة حرة منظمة تدخل ضمن اختصاصه.
السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل سيتم احترام هذا الرأي الدستوري وإدخال التعديلات اللازمة على مشروع القانون 66.23 (خاصة إلغاء سقف السن وتأطير المسارات البينمهنية)، أم سيستمر نمط التجاهل الذي ميز تعامل الحكومة مع آراء المجلس في السنوات الأخيرة؟
الإجابة لن تؤثر فقط على مستقبل مهنة المحاماة وشروط ولوجها، بل ستكون اختباراً إضافياً لمصداقية احترام المؤسسات الدستورية المستقلة، وعلى رأسها مجلس المنافسة الذي يُعيّن رئيسه وجزء من أعضائه من طرف الملك.







