ليست قوة المغرب في نموذجه الرياضي وليدة لحظة عابرة، ولا نتاج موسم أو موسمين من الإعداد البدني المحكم. فالأمم، كما تعلّمنا دروس التاريخ، لا تصنع في سنة أو سنتين، بل تتشكل عبر تراكم طويل من العطاء يتوارث جيلا بعد جيل. فالمغاربة، عبر قرون متعاقبة، تربّوا على حب الدفاع عن الوطن، وعلى استحضاره في كل محطة من محطات حياتهم.
من رحم هذا الوطن العزيز، بصحرائه الممتدة وجباله الشامخة ومسافاته الشاسعة، خرج رجال عظام بنوا دولا امتدت من أعماق إفريقيا إلى أوروبا، وتركوا بصمتهم في صناعة التاريخ الإنساني، من المرابطين الذين وحّدوا المغرب الكبير والأندلس، إلى الموحدين الذين أقاموا حضارة شهد لها القاصي والداني، إلى المرينيين الذين رسّخوا دعائم الدولة ونهضتها العلمية، إلى السعديين الذين صانوا استقلال البلاد وهزموا أطماع الغزاة، إلى العلويين الذين حملوا راية الوطن إلى يومنا هذا، وصانوا وحدته ورسّخوا هيبته. هذا الإرث ليس مجرد صفحات في كتب التاريخ، بل عقيدة وطنية متوارثة، تجعل المغربي أينما حلّ يستحضر وطنه، وتتجلى اليوم في أبسط صورها وأبلغها: لاعب يقاتل على الكرة في الدقيقة التسعين بالحماسة ذاتها التي يقاتل بها في الدقيقة الأولى، لأنه يستحضر في كل لحظة أن خلفه وطنا ينتظر منه التشريف.
هذا المشهد، الذي تكرر أمام أنظار العالم في مواجهة هولندا بكأس العالم 2026، حين تأخر “أسود الأطلس” بهدف في الدقيقة الثانية والسبعين، ثم انتزعوا التعادل في الوقت بدل الضائع، قبل أن يحسموا المواجهة بركلات الترجيح بنتيجة ثلاثة لاثنين، لم يكن مجرد لحظة بطولية عابرة، بل تجلٍّ معاصر لمنطق تاريخي عريق. فحين لا يتراجع المغربي وهو يقترب من حافة الخروج، حين يقاتل وكأن الهزيمة ليست خيارا واردا، فإن ذلك لا يُفسَّر بالتدريب البدني وحده، مهما بلغت دقته وعلميته، بل بتراكم نفسي وروحي يمتد جذوره إلى أجداد واجهوا الحروب والمجاعات والغزوات، وانتصروا في كل مرة لأنهم لم يكونوا يقاتلون من أجل أنفسهم، بل من أجل أرض ووطن وكرامة جماعية. القوة الحقيقية للمنتخب الوطني، إذن، ليست في العضلات، بل في العقلية، تلك العقلية المشدودة إلى منظومة قيم تجعل من التضحية من أجل البلاد غاية تسمو على أي حساب فردي.
ولعل ما يؤكد أن إنجاز قطر 2022، حين بلغ المنتخب نصف النهائي لأول مرة في تاريخ إفريقيا والعالم العربي، لم يكن ضربة حظ عابرة، هو أن المغرب أصبح اليوم أول منتخب عربي وإفريقي يتجاوز دورا إقصائيا واحدا على الأقل في نسختين متتاليتين من المونديال، وهو رقم تاريخي غير مسبوق يضعه في مصاف الأمم الكبيرة في كرة القدم. هذا التواصل في الإنجاز، جيلا بعد جيل، هو في جوهره استمرار لذات السنة التي حكمت تاريخ المغرب: أمة لا تبني مجدها مرة واحدة ثم تكتفي، بل تجدد عهدها مع العظمة في كل محطة.
ولا يكتمل فهم هذا الزخم الرياضي بمعزل عن السياق المؤسساتي الذي يحتضنه. فجلالة الملك محمد السادس، الراعي الأول للرياضة الوطنية، جعل من الاستثمار في كرة القدم مشروعا استراتيجيا متكاملا، من البنية التحتية إلى تكوين الأطر إلى دعم المنتخبات الوطنية في مختلف الفئات، تجسيدا لرؤية ملكية تربط النهوض الرياضي بالنهوض الشامل للبلاد. وحين يرفع اللاعب المغربي العلم الوطني، أو يهدي انتصاره لوالدته، فإنه إنما يُعبّر عن وفاء عميق لهذا التوجيه الملكي السامي الذي جعل من تشريف المغرب غاية لا تقبل القسمة، وجعل من كل نقطة تُحصَّل، ومن كل عقبة تُتجاوز، رسالة وفاء للوطن ولقائده.
إن المنتخب الوطني، وهو يواجه كندا في الدور المقبل سعيا لتكرار أو تجاوز إنجاز 2022، لا يلعب من أجل الكأس وحدها، بل يكتب فصلا جديدا في سردية أمة عريقة، أمة لم تتوقف يوما عن إثبات أن قوتها الحقيقية كامنة في عقلها وروحها قبل عضلاتها، وأن كل قطرة عرق تسيل على ملاعب العالم إنما هي امتداد لتاريخ طويل من الصمود، وتحية لوطن ولعرش يجعلان من كل مغربي سفيرا لبلاده أينما حلّ.
انس اليملاحي
جامعة عبد المالك السعدي تطوان







